كما الوعي، في عُرف اللغة، وحيٌ، كذلك كلمة «يِزَّي»، في عرف الأمازيغيّة، تعني تشافَى، أو استشفَى، ليتمّ انتداب المفردة ذاتها (يِزَّيْ)، لتلعب دور المرشد إلى قيمة وجودية هي: العِرفان. فالوعي، بالمنطق وحي الحرف، كما الوحي، بمنطق اللغة، وعي الروح.
إذا حَكَّمنا موقف اللاهوت من هذين المفهومين الجليلَين، فوجئنا بأن الوعي ليس سوى وحي الحسّ، أمّا الوحي فهو وعي الحدس؛ ممّا يستثير فضولنا في قدرة اللغة على نحت المفاهيم الأكثر استسراراً، في الواقع التجريبي، باستخدام قانون الإبدال، الذي يقضي بتحويرٍ طفيفٍ في الأحرف الصامتة، كما هو الحال بين الحاء والعين، لحميميّة بينهما، مفروضة بانتمائهما إلى موقعهما في النطق، وهو الحلق، أجاز الإيحاء بوجود علاقة مريبة بينهما، لن نستنكر أن تتحوّل إلى نزالٍ جدلي، في حال أخضعناهما لفحصٍ من وجهة نظر بعبع هو المفهوم، لأن ما هو الوعي إن لم يكن وحيُ حسٍّ، وما هو الوحي إن لم يكن وعيُ لغزٍ هو الحدس، بوصفهما قطبَين متضادَّين. وبرغم ذلك ليسا سوى لُقيتَين حميميّتَين، تتناوبان الأدوار في صفقةٍ سريّة.
هذه النزعة الماكرة التي حقّ للعضلة المسمومة (في عرف الإنجيل) أن تتباهَى بها، كعملة تنوير، هي ما دفع لغة المهد لأن تعتمدها في تسويق أحجية الرؤية، سواء في هويّتها كـ«يِزَّي»، في معنى «يَعرف»، سواء في صيغتها كاستشفاء! حتّى إذا احتكمنا إلى ساحة متون التوحيد، فوجئنا بأن الإثم، إنّما كان رهين «المعرفة» بالذّات، لأنها لعنة آدم، وهي الورم الذي لا شفاء منه، لأنه يسري في دم السلالة، ليبثّ فيها جرثوم فناء! كأنها وصيّة في ناموسٍ يسفّه وصيّة معادية، جاهر بها سقراط عندما قال: «الإثم هو أن نجهل»، لا أن نعلم، والشفاء من هذه اللعنة، لعنة الجهالة، لا يتحقق إلّا في اليوم الذي ننحر فيه الديك الأبيض، احتفالاً بالخلاص من مرضٍ مريرٍ هو: الوجود!
وهي العقلية الفلسفية، التي تعتمدها لغة التكوين عندما تزاوج بين كلمة: «يِزَّي» كعرفان، وبين مفردة «يِزَّي»، كاستشفاء من مرض عصيّ هو الجهل هذه المرّة، لأنها اللغة الأكثر هوساً بالاستعارة، حتّى أن العقلاء، في واقعها الصحراوي، لا ينطقون حكمةً ما لم تكن مشفوعةً بروح الحجب، لا الكشف!
إنه الموقف العدمي التقليدي، من واقعٍ هو باطل أباطيل، كما الحال مع الوجود، المترجم في العبارة الأكثر غموضاً، والأقوى قسوةً، بما هي إنكارٌ لكل ما خضع للرؤية (يِزَّي)، ليستقرّ في الوجدان في حرف «عرفان»، عندما تستقيم في «ميدّيياغز»، المستهزئة بغنيمة الحضور قيد ما لا يعوَّلُ عليه في فلسفة العدم، كعقيدة أدمنها إنسان التكوين منذ حقّق وَعياً، كقرون استشعار في استكشاف مملكة الحسّ، فلم يكتفِ، ولكنه حقّق بالوحي الطريق نحو ملكوت القيمة، وهو الحدَس، دون أن يفلح في الاهتداء إلى حيلة توقف تدفّق الزمن، ومن الطبيعي أن يحتفي بالعبور، بل ويدمن العبور، ليسير في ركاب هذا الشبح، الذي يحترف، في صيرورته الأبدية، المحو، ليجعل من الحرية، كفن استشفاء!
فهل نستنكر وصيّة حكيم الـ«طاو»، لاوتسي، عندما يهتف: «مَن عرف الحقيقة في الصباح، في المساء يستطيع أن يموت»، إذْ يكفي أنه «يِزَّيْ» في مفهوم: «عرف» البدئيّة؟














