في شمال ووسط مالي، حيث تتمدد جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” عبر أريافٍ وطرقٍ ومسالك رعيٍ وأسواقٍ محلية، لم تعد المعركة تُقاس فقط بعدد الهجمات، بل بقدرة الجماعة على فرض “نظام يومي” يطال تفاصيل الحياة، من الوقود والطرق، إلى القضاء المحلي، وصولاً إلى جسد المرأة وحقها في التعليم والحركة والعمل.
الجماعة، المصنفة إرهابية، تنشط أساساً في مالي وتمتد عملياتها عبر أجزاء من الساحل، وباتت في نظر مراكز أبحاث عدة كياناً يملك قابلية “الحكم” لا مجرد تنفيذ الغارات.
من مطاردة المسلحين إلى “إدارة مناطق”
خلال 2025، اتجهت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، (JNIM)، إلى استراتيجية تضييق اقتصادي وأمني على الدولة: استهداف شرايين النقل، وشاحنات الوقود، ومراكز سكانية في غرب مالي، ضمن ما وصفته تحليلات متخصصة بأنه إعادة تشكيل لطبيعة الصراع عبر ضرب نقاط هشاشة السلطة العسكرية في باماكو.
في خريف 2025، ظهر أثر هذا النهج بوضوح حين أستدعى حصار وتعطيل إمدادات الوقود قراراً رسمياً بتعليق الدراسة لفترة مؤقتة على مستوى البلاد، وهو مؤشر على كيف يمكن لسلاح “الإمداد” أن يصبح سلاحاً سياسياً. وفي الوقت نفسه، تؤكد “مجموعة الأزمات الدولية” أن موجات هجمات الجماعة على المدن والبلدات في غرب مالي رفعت مستوى القلق حتى في المراكز الحضرية.
في هذه البيئة، لم تعد معسكرات التدريب فكرة افتراضية. فقد وثّقت مواد دعائية ورصد مفتوح المصدر مشاهد تدريب لعناصر جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” داخل مالي وخارجها، بما يوحي بثقة ميدانية ومساحات حركة آمنة لها. كما ظهرت مؤشرات على تطور أدوات القتال لديها، وخصوصاً حرب المسيّرات، بشكل كبير. بواسطة هجمات استطلاعية وانتحارية، وبروباغاندا مرئية، هي الأوسع داخل إفريقيا.
لكن التحول الأخطر ليس عسكرياً فقط، بل اجتماعي، ومركزه المرأة، ويبرز من خلال:
1) “المساومة على البقاء”: لماذا تمتثل النساء؟
قدّمت أبحاث ميدانية حديثة توصيفاً حاسماً: علاقة كثير من نساء الفولاني (Peuhl/Fulani) بحكم أن الجماعة ليست “تبشيراً أيديولوجياً” بقدر ما هي “استراتيجية نجاة” في ظل غياب الدولة أو حضورها العنيف. وخلصت دراسة مبنية على 77 مقابلة ميدانية مباشرة (مايو–أغسطس 2025) إلى أن تكيّف النساء مع نموذج حكم الجماعة غالباً ما يعكس البقاء أكثر من “التطرف”.
والمعادلة بسيطة وقاسية، عندما تصبح الجماعة سلطة الطريق والسوق و”العقوبة”، فإن الامتثال يتحول إلى شرط لتحاشي الإيذاء وضمان الحد الأدنى من الأمان. هذا ما تسميه الدراسة عملياً “التكيف تحت الإكراه”.
2) “طالبان الساحل”: قيود تُعيد تشكيل حياة النساء
بمجرد ترسخ النفوذ، تبدأ قواعد “النظام الجديد” في تغيير نمط الحياة على نحو جذري. وفي هذا الصدد، وثّقت الأبحاث فرض نمط لباس صارم، غالباً “عباءة سوداء” وغطاء وجه، بوصفه إشارة ولاء وطاعة أولى. ولا يتوقف الأمر عند المظهر، فالقيود تطال الحركة والعمل والفضاء الاجتماعي، بما في ذلك التضييق على خروج النساء دون مرافق، وتقييد بعض الأنشطة المرتبطة بالأسواق أو وسائل النقل المحلية في مناطق بعينها، وتحجيم مظاهر الفرح الشعبي التي تشمل الموسيقى والاختلاط، باعتبارها “محظورة”.
في ظل انعدام الأمن وسيطرة جماعات مسلحة على مناطق واسعة، يتحول التعليم إلى هدف مباشر أو ضحية جانبية. تقرير “يونيسف” عن الوضع الإنساني في مالي أشار إلى أنه “حتى يونيو 2025″، سُجّل توقف 2,036 مدرسة عن العمل بسبب انعدام الأمن، ما يؤثر على أكثر من 610,800 طالب وطالبة. وفي سياقٍ تُزاح فيه الفتيات سريعاً خارج المدرسة، يصبح “تجفيف التعليم” أحد أشكال الاستعباد البنيوي: تقليص المعرفة، ثم تقليص الخيارات، ثم تسليم المصير لقواعد الجماعة.
تتحدث الدراسة الميدانية عن أثر القيود الاجتماعية على وصول النساء للرعاية، لا سيما في ظل شح الكوادر النسائية في مناطق النزاع، ما يترك النساء أمام فجوات صحية حرجة.
3) “الحِسبة” والعقوبة العلنية: كيف يُصنع الخوف كنظام؟
لا تعمل هذه المنظومة بالوعظ وحده؛ بل عبر رقابة اجتماعية وعقوبات علنية تُحوّل الخوف إلى “اعتياد”. الدراسة تتضمن شهادات عن جلدٍ علني لنساء عند مصادر المياه بسبب عدم الالتزام بالزي المفروض، وهي روايات تُظهر كيف يُستخدم العقاب كرسالة مجتمع كامل: “الجسد مساحة حكم”.
بمرور الوقت، يتشكل ما يمكن تسميته “التطبيع”: الامتثال يبدأ قسراً، ثم يتحول إلى روتين يومي لتجنب الأذى. هذا التطبيع هو جوهر الاستعباد الحديث: لا تحتاج السلاسل إلى أن تُرى، يكفي أن تصبح القاعدة في الرأس قبل أن تصبح على اليد.
4) مفارقة الشرعية: لماذا يبدو الحكم مقبولاً أحياناً؟
هنا المفصل الأكثر حساسية، إذ يرى بعض السكان، وفق الشهادات، أن حكم جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” يقدم وظائف تغيبها الدولة: تقليل السطو وقطع الطريق، فضّ النزاعات بسرعة، وفرض نظام عقوبات يخلق ردعاً للجريمة وإن كان قاسياً. كل هذا لا يبرئ الجماعة، إنما يفسّر كيف تُنتج الدولة الفاشلة “شرعية وظيفية” لخصمها.
في المقابل، تضع تقارير حقوقية وقائع صادمة عن انتهاكات منسوبة لقوات نظامية وميليشيات حليفة لها.
منظمة العفو الدولية، على سبيل المثال، دعت لتحقيق عاجل في إعدامات خارج القانون في منطقة ديافارابي (وسط مالي) نُسبت، بحسب شهود، للقوات المالية مع مشاركة مقاتلين محليين. كما وثقت “هيومن رايتس ووتش” حالات قتل بعد احتجاز عسكري في السياق نفسه. في مثل هذا المناخ، تستطيع الجماعة تسويق نفسها كـ”حامٍ” لمجتمعاتٍ ترى الدولة خصماً، ولو كان الثمن هو إخضاع النساء لقواعد خانقة.
5) “الزواج من الجهاد”: الاستغلال حين تُصادر الخيارات
أخطر ما تكشفه الشهادات الميدانية هو إعادة تعريف المكانة الاجتماعية للمرأة داخل منظومة الجماعة. في بعض السياقات تُقدَّم “زوجة المقاتل” بوصفها في موضع نفوذ وحماية داخل القرية، بينما تُخفي هذه الصورة واقعاً من الاعتماد والإكراه وقابلية الاستغلال في بيئة تنهار فيها البدائل الاقتصادية والتعليمية. وعندما يتآكل التعليم وتضيق سبل الرزق وتصبح “الحماية” سلعة نادرة، يتحول الجسد إلى عقد بقاء، وهنا يقترب المعنى من الاستعباد، حتى لو لم يُسمَّ باسمه.
استعباد النساء في الساحل اليوم لا يأتي في هيئة “سوق نخاسة” كلاسيكي، بل كمنظومة حكمٍ تُجرّد المرأة من أدوات الاستقلال: مدرسة تُغلق، سوق يُراقب، حركة تُقيَّد، وعقوبة تُعلن لتربية الخوف. وبين عنف الدولة وفشلها من جهة، وتشدد “نصرة الإسلام والمسلمين” وبناء “مجتمع القاعدة” من جهة أخرى، تجد نساء الفولاني أنفسهن رهائن داخل واقعٍ لا يمنحهن سوى خيار واحد، “التكيف كي لا ينكسر البيت”.















