متون التكوين

وجع الحسّ كمهندس تنوير

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

تأبى اللغة البدئية، الأمازيغيّة، الأمازيريّة، المصرية إلّا أن تتحفنا بالكنوز الرؤيوية، في حملتها العبقرية، لتأسيس كيان المفاهيم الوجودية والدينية والفلسفية، بلسانٍ يستجير بالواقع الحرفيّ الحسّي، الوفيّ للطبيعة، في سبيل استنباط الدلالة التجريدية، أو الروحية، للكلمة، كي تستعير بُعداً اصطلاحياً، يثري التجربة في الواقع العملي.

«في الألم حكمة لا تقلّ شأناً عن الحكمة في النعمة» (نيتشه)

لو احتكمنا إلى بلاط كلمة تبدو بريئة ومتواضعة في عدد حروفها مثل «كم»، فسوف يدهشنا حجم الذخيرة التي تستودعها هذه البُنية الملفّقة من حرفين فقط، هما، في العربية، الكاف والميم، عندما نستنطق فيها خزائن اللغة التي اختلقتها بدئيّاً، ونفثت الروح في حرفيها الميّتين، إذا علمنا أن المعنى الأوّليّ، الأصليّ، لتركيبة «كمّ» هو:الألم، في حال ترجمناها من مخزون منطق الزمن الضائع، مع إضافة حرف صائت هو الألف في بداية الكلمة ونهايتها، كضرورة موسيقية، رسالتها إحياء الحرف الساكن الميّت، سَنّه إنسان التكوين، الشغوف بالغناء، إشباعاً للروح الوجدانية، الظامئة منذ البدء لاعتناق دين نداء الخلود، المترجم في الحنين إلى أنين اللحون؛ لأن الإنسان بطبيعته طريدٌ مهاجر، والمهاجر بالفطرة شاعر، ورأسمال الشاعر الشجن، لهذا السبب تستهويه المعزوفة، فلا يهنأ له بال في أيّ منطوق ما لم تباركه أوتار إنشاد؛ فكان من الطبيعي أن يجد عزاءً لمداواة اغترابه كمهاجر في الغناء، فلا يعترف بملفوظةٍ مالم تتنفّس برئة الإيقاع، المسكون بالترنيمة الموسيقية، لأن ترجمان الوجود، في عُرفه، ليس لغو اللغة، ولكنه في مرثيّة كلّ وتر مزموم، يشكو اغترابه المحموم. هنا تنتصب المنارة لاستكشاف واقع المهزلة، التي تستوجب نفخ الروح، في أوردة مفردة سواكن ميّتة، لإجبارها على البوح. ولا وجود، في واقع التجربة، لمهندس تنوير، يمكن أن يقارن بآلام الحسّ، لكي يتغنّى اللسان بالحقيقة، التي كانت لها الحكمة ترجماناً منذ الأزل: الحكمة التي كان لها الألم هو الحافز في ثروة تجلّيات مدهشة في جُرأتها، مترجمة في حرفين ساكنين هما الكاف والميم، يستضيفان الحروف الصائتة، ليُحقّقا بهذه الاستضافات، أجناساً مثيرة في ملحمة المعنى، حيث تبدأ المسيرة بـ«كم»مجردةً، للتدليل على مفهوم الكمية أوّلاً، أي ذلك التراكم السخيّ، المؤسس للحمولة في صيغتها ككيفية، حتى إذا استقرّت علامة رفع على الكاف لتغدو «كُم»، تنوّع الإيقاع في المعزوفة، لتبدأ رحلة الوجع، المنتج لسلسلة من المفاهيم الوجودية، المبشّر لها هو الحسّ في مصاب الخلل، لأن ما هو الكُم إن لم يكن مهد تضييق الخناق في الثوب، بحيث يحصّن عضواً في الجسد هو الذراع، إذا استجوبنا فيه الدلالة في اللغة الليبية القديمة (الأمازيغية) بوصفه المنزلة الأولى في معراج طويل، الضيق في مسيرته عتبة أولى، عندما يتنوّع في «إكما»، يتحوّل حرفيّاً، ليعني نتيجة هي «ألم»، كان التضييق لها سبباً، لتتشعّب، في المرحلة التالية، أوتار المعزوفة، لتستوي في ذروة فعل التضييق، وهو «الكمأة» كنموذج مثالي في مفهوم الحشر أو الحصر، أو التضييق، بوصفه القمقم المثالي لقمع خلاص غيبيّ هو الحرية!

ولكن التجربة لا تتدفّق في هذا البرزخ، بل تستعير أبعاداً أبعد في رحلة حفر المفاهيم.

فإسم «الكمأة» نغمة في مواويل «الكُمُوْن»، بممارسة لعبة الأقنعة، فتتفنّن في اختراع حيل التخفّي باستثمار الإستضمار، كبديل استظهار، فتستمريء اللّهو حتّى تنتج مفهوماً خطيراً في لعبة التضييق هو: الكمين: الكمين كمكيدة، لتبلغ المسيرة مجدها الباهر في كلمة «حُكم»، حرف الحاء في البُنية يعني في الليبية القديمة (الأمازيغية)، والمصرية القديمة إبدالاً شائعاً من الهاء الدالّة على مفهوم الاحتواء، أو «البيت» أو أي تجويف، لنحصل على مفهومٍ ساطعٍ للحُكم هو: بيت الألم!

والمفارقة أن يشترك الحُكم كمفهوم مع قرينٍ آخر له في الحرف، ويعاديه في الروح وهو: الحِكمة، لأن كليهما محكومٌ في المفهوم، بالحضور في بيت الألم، لا لأنهما صنيع ألم من حيث المنشأ فقط، ولكن لأنهما مجبولان بهذا الألم حتّى في رسالتهما التجريبية، ليبقى الخطر قدرهما الأبدي، لأن القاسم المشترك الأعظم لوجودهما هو الألم (إكما)، وشرط استمرارهما هو جدل الغنيمة وضرّتها القيمة: الحكم غنيمة، ولكن تأنيث هذا المارد لا يستعير هوية الحكمة إلّا برأسمال منيع هو: القيمة!

ولكن التركيبة الملفّقة من الكاف والميم سوف تستعير مفهوماً آخر عندما نضيف لها تاء التأنيث، لتغدو «كمت»؛ هذا الإسم المهيب الذي ورثناه عن علم المصريات، كدلالة على أحد أسماء مصر (مزر) الأربعة، التي قمنا بمعالجتها في نصوص سابقة، لنستنطق هنا الإسم الأخير، الحامل لمعنى «اللّقية»، في صيغة تأنيث، أطلقها المهاجرون المقبلون من الصحراء الكبرى، عندما تصحّرت هذه القارّة، فاضطرّت القبائل الأمازيغية إلى الاستجارة بالوطن الأسطوري المستلقي في أرضٍ سخيّة بالمياه، لأن سيلاً خالداً يخترق فسحتها، قادماً من المجهول، إسمه النيل، تغنّت بأفضاله الأجيال، إلى الحدّ الذي دعا يوليوس قيصر بأن يتغنّى: «سوف أتنازل لكم عن الامبراطورية، وعن كليوباترا، وعن الجيش، إذا دلّيتموني على منابع النيل!». فوطن في مقام مصر (مزر) هو لقية الجنس البشري، قبل أن تكون مجرد لقية دنيوية، إذا حكّمنا في حقّها مقياس القيمة الحضارية لهذه الأعجوبة، التي لم يؤمن  بحقيقتها أحد، كهبة من صنع هذا السيل الخالد، المسمّى نيلاً، كما آمن بها طريدو الصحراء الكبرى، الذين اغتربوا عن وطن التكوين بفعل الجفاف.

اللّقية، في عرف الإنسان المهاجر، العابر للمسافات، هويّة «لقيطة»، عثر عليها على قارعة الطريق، ولكن في يقين هذا النموذج، الموسوس بالرؤى، المسكون بالشعر، سوف تحتلّ منزلة أسمى، وهي: الملاذ، سيّما إذا كان السيل الخالد، المدعو في رطانة القوم نيلاً، هو حُجّتها، التي تشطر الواقع المكاني فيها شقّين، لتستعير، في ناموس المهاجر، الظاميء للحقيقة، وَسْمَاً حميميّاً، هو: الحرية، لتتحوّل قيمةً، بفضل هذه الحرية، التي تستدرج بسلطان الإغواء، إلى الاحتكام للمقام في حرم المكان، لأن الماء هنا لا يبقى سجّاناً، ولكنه يكتسب مزيّة العنصر، الذي يحقّق الخلاص، عندما يجسّد التنوير.