تشير قراءات أمنية وبحثية متقاطعة في واشنطن إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تدخل طوراً مختلفاً من العنف السياسي، تتحول فيه الضربات الصغيرة إلى أداة مركزية لدى الفاعلين المتطرفين. حيث المشهدُ لم يعد محكوماً بالهجمات الواسعة التي تستهدف الحشود، بل بنمط أكثر دقة وسرعة يسعى لإحداث أثر فوري بموارد محدودة.
يرى بعض الفاعلين العنيفين اليوم، أن الاعتداء المحدود على هدف مُؤثر – فرداً كان أو منشأة – قادر على إنتاج تأثير سياسي وإعلامي يفوق ما كانت تسعى إليه العمليات الكبرى. ويقوم هذا المنطق على فكرة بسيطة: صدمة صغيرة، انتشار واسع، وكلفة أقل. وتشير تقديرات وحدة البحوث الاستخباراتية المتقدمة Insikt التابعة لشركة Recorded Future، إلى أن أكثر السيناريوهات احتمالاً خلال الفترة المقبلة ستدور حول محاولات اغتيال، وتخريب للبنى الحيوية، أو اعتداءات تستهدف شخصيات عامة في مستويات مختلفة من السلطة.
هذه الصيغة لا تهدف إلى ضرب الدولة بوصفها بنية كاملة، بل إلى خلق أثر رمزي يعيد توجيه النقاش العام، ويُشكك في قدرة المؤسسات على حماية الفضاء الداخلي.
خطاب تتقاطع فيه السرديات
المشهد الأيديولوجي الأمريكي لم يعد خطاً فاصلاً بين يمين متطرف ويسار راديكالي، بل أصبح مساحة يتداخل فيها خطاب كل طرف مع الآخر. ارتفاع الحوادث ذات الدوافع اليسارية لا يعكس انتقالاً في مركز التهديد، بل توسعاً في دائرة العنف داخل بيئة سياسية مستقطبة تأكل بعضها بعضاً.
وتستثمر بعض الجماعات المتطرفة في الصراعات الخارجية – من غزة إلى سوريا – لتوليد ذاكرة عدائية جديدة داخل الولايات المتحدة. إذ تُستورد تلك الأحداث وتُعاد صياغتها ضمن روايات محلية تتحدث عن “الاضطهاد” و”الانتقام” و”الخيانة”. والنتيجة شعور زائف بأن الصراع يتجاوز الحدود، وأن أي اعتداء محلي يمكن تبريره بوصفه امتداداً لصراع عالمي. كما يسهم الجدل حول الهجرة في تغذية هذا المناخ، خصوصاً حين يُعاد تدويره عبر منصات رقمية تُضفي عليه طابعاً خبرياً على الرغم من هشاشة مصادره.
أدوات رخيصة.. وتهديد أعقد
تميل المجموعات المتطرفة إلى استخدام أدوات منخفضة التكلفة، طائرات مسيرة جاهزة، عملات رقمية، وبرامج إنتاج دعائي متاحة للجميع. هذه التقنيات لا تزيد قوة الفعل نفسه، لكنها تقلّص قدرة الأجهزة الأمنية على الرصد المسبق. وتفتح الباب أمام فاعلين أفراد لا يرتبطون بتنظيم واضح، بل يندفعون بفعل محتوى متواصل يعيد صياغة غضبهم الشخصي.
أخطر ما في هذا التحول أن الفعل العنيف لم يعد يتطلّب خطة معقدة؛ يكفي أن يُنتج المحتوى التحريضي محلياً، ويُعاد إعداده رقمياً، ثم يعاد نشره في منصات قادرة على تضخيمه خلال دقائق. وبهذا تنتقل المبادرة من “الخلية المنظمة” إلى “الفرد المتصل”، ومن “القرار الجماعي” إلى “التأثير التراكمي” لسلسلة محتوى يصعب تعقبها.
خريطة أيديولوجية تتبدل
يُظهر تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) مؤشرات واضحة على صعود الهجمات ذات الدوافع اليسارية للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود. وعلى الرغم من أن تأثيرها ما يزال أقل مقارنة بالعنف اليميني أو الجهادي، فإن هذه الإشارة تكشف عن مزاج سياسي متوتر، حيث تتحول أفكار كانت هامشية إلى جزء من النقاش اليومي. ومع تراجع الهجمات الجماعية التقليدية، ترتفع أنماط جديدة من العنف المرتبط بقضايا اقتصادية وبيئية ومعارضة السلطة المحلية.
ويعكس هذا التحول انتقالاً من التنظيمات الهرمية إلى مبادرات فردية يغذيها شعور بالانفصال عن المؤسسات، أو إيمان بأن “الضربة الرمزية” أكثر فعالية من أي محاولة لإحداث تغيير شامل.
تحديات مُركّبة أمام مؤسسات الأمن
تتعامل الأجهزة الأمنية الآن مع مشهد لا تقوده قدرات تنظيمية، بل قابلية فردية لتنفيذ اعتداء مفاجئ بدافع محتوى رقمي مكثّف. ويواجه صانعو القرار معضلة مزدوجة، ألا وهي الحاجة إلى ضبط فضاء رقمي سريع التحوّل، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على الحريات المدنية التي تُعد جزءاً أساسياً من بنية النظام الديمقراطي. ناهيك عن أن الخطاب المتطرف الذي يستعير أحداثاً خارجية لصياغة مبررات داخلية يطرح تحدياً إضافياً، كون التعامل معه يحتاج إلى مقاربة تتجاوز الأمن التقليدي لتشمل الحوكمة الرقمية والسياسات الاجتماعية.
لا يمكن فصل ما يحدث داخل الولايات المتحدة عن التحولات العالمية في العنف السياسي. فالفاعلية اليوم لا تقاس بحجم الدمار، بل بقدرة الحدث على الانتشار وتغيير المزاج العام. ومع تزايد اعتماد الأفراد على أدوات رقمية تمنحهم صوتاً وتأثيراً أكبر من حجمهم الفعلي، تتبدل بنية التهديد من جذورها.
وهكذا تقف واشنطن أمام فصل جديد لا يُعرف بكمية السلاح أو عدد الضحايا، بل بالبيئة التي تمكّن فرداً واحداً من تغيير اتجاه النقاش الوطني عبر فعل محدود. وفي هذا السياق، قد يشكّل العام 2025 لحظة فارقة لفهم مسار التطرف المحلي ومستقبله.















