في خطوة تعكس اتساع نطاق المواجهة مع طهران، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة على شبكة الأعمال المرتبطة بالملياردير الإيراني بابك زنجاني، بعدما انتقلت ضغوط واشنطن من استهداف المؤسسات الرسمية إلى تفكيك شبكات التمويل والواجهات التجارية التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات.
وشملت الإجراءات الأمريكية 9 شركات وأربعة أفراد متهمين بمساعدة زنجاني على تجاوز العقوبات المفروضة عليه، عبر شبكة من الكيانات التجارية والأصول الرقمية الممتدة بين إيران ودول في الإقليم، في وقت يتزامن فيه الضغط المالي مع تصعيد عسكري متواصل بعد انهيار الهدنة الهشة.
ويكشف توقيت العقوبات عن استراتيجية أمريكية تقوم على الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي في آن واحد، من خلال استهداف مصادر التمويل التي تسمح للنظام الإيراني بالحفاظ على قنوات مالية بديلة بعيداً عن الرقابة الدولية، خصوصاً عبر الوسطاء التجاريين ومنصات الأصول الرقمية.
زنجاني ومسار العقوبات
برز اسم بابك زنجاني، رجل الأعمال الإيراني، خلال العقد الماضي كأحد أبرز رجال الأعمال المرتبطين بملفات الالتفاف على العقوبات النفطية. وأُدرج للمرة الأولى على قوائم العقوبات الأمريكية العام 2013، بعد اتهامه بتحريك مليارات الدولارات من عائدات النفط الإيراني نيابة عن النظام.
في إيران، أُدين زنجاني باختلاس مليارات الدولارات من الشركة الوطنية الإيرانية للنفط، وهي الشركة المدرجة بدورها على قوائم العقوبات الأمريكية، وصدر بحقه حكم بالإعدام العام 2016 قبل أن يُخفف الحكم العام 2024.
وبعد تخفيف الحكم، عاد زنجاني إلى النشاط الاقتصادي العلني، مستفيداً من شبكة شركات ومشاريع متعددة، كان أبرزها تكتل “دوت ون”، إضافة إلى منصتي الأصول الرقمية “زِدسيكس” و”زِدكسيون”، اللتين أصبحتا محوراً أساساً في التحرك الأمريكي ضده.
الأصول الرقمية والتمويل
ركزت واشنطن في تحركاتها الأخيرة على الدور الذي لعبته الأصول الرقمية في بناء قنوات مالية بديلة، إذ اتهمت وزارة الخزانة الأمريكية منصتي “زِدسيكس” و”زِدكسيون” باستخدامهما جزئياً في عمليات غسل أموال وتحويلات مالية مرتبطة بجهات تابعة للحرس الثوري الإيراني.
وفي 30 يناير/كانون الثاني 2026، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية بابك زنجاني إلى جانب المنصتين الرقميتين، في أول إجراء مباشر يستهدف منصات أصول رقمية بسبب ارتباطها بأنشطة مالية منسوبة إلى الحرس الثوري الإيراني.
وجاءت العقوبات الجديدة لتوسّع دائرة الاستهداف، بحيث لا تقتصر على المنصات نفسها، بل تمتد إلى الشركات التي وفّرت لها الدعم التقني والمالي والتشغيلي، بما يعكس محاولة أمريكية لضرب البنية الكاملة للشبكة وليس فقط واجهاتها الظاهرة.
تكتل “دوت ون” الإيراني
استهدفت الإجراءات الأمريكية الأخيرة عمليات زنجاني داخل إيران عبر تكتل “دوت ون”، الذي يمثل إحدى أكبر واجهاته الاقتصادية، ويضم شركات تعمل في قطاعات متعددة تشمل النقل واللوجستيات والطيران والاتصالات والأصول الرقمية.
وتأتي في مقدمة هذه الشبكة شركة “دوت ون فاليو كرييشن”، التي تتخذ من برج “دوت ون” في طهران مقراً لها، والتي تولى زنجاني رئاستها التنفيذية منذ العام 2024، وتقول وزارة الخزانة الأمريكية إنه ما زال يسيطر عليها.
كما تشمل الشبكة شركة “دوت ون للذهب”، المرتبطة بمشروع “تالا توكن” الرقمي المدعوم بالذهب، والذي مرت كميات كبيرة منه عبر منصة “زِدسيكس” مطلع عام 2025، إضافة إلى شركة “دوت ون للسكك الحديدية”، التي وقعت عقداً بقيمة 800 مليون دولار مع مؤسسة السكك الحديدية الإيرانية في أبريل/نيسان 2025.
وتضم الشبكة كذلك شركات “دوت ون للمقايضة”، و”دوت ون للطيران”، و”دوت ون تريب” لخدمات مشاركة الركوب، وهي كيانات ترى واشنطن أنها شكلت غطاءً اقتصادياً واسعاً لتحركات زنجاني.
امتدادات إقليمية
لم تقتصر شبكة زنجاني على الداخل الإيراني، إذ امتدت إلى شركات في الشرق الأوسط، قدمت، بحسب وزارة الخزانة الأمريكية، دعماً مالياً وتقنياً لمنصاته الرقمية.
وشملت العقوبات شركة “زِدباي للأنظمة والخدمات المالية” في إسطنبول، وهي شركة تكنولوجيا مالية تقدم خدمات المحافظ الرقمية والتحويلات العالمية، وكانت مدمجة بشكل مباشر في منصة “زِدكسيون”، ما سمح بإجراء عمليات تسوية مالية وتحويلات عابرة للحدود. كما أدرج رئيس مجلس إدارتها مهدي رضازاده ضمن قائمة العقوبات.
كما طالت العقوبات أيضاً شركة “زِد إكس” التي تصرفت نيابة عن منصة “زِدسيكس” في إدارة المحافظ الرقمية، إضافة إلى مديرها سوخروب أويماخمادوف.
كما استهدفت شركة “بي زد دايموند” العاملة في تجارة الألماس الطبيعي والمصنع مخبرياً، والتي تديرها بهارة مرتضى زنجاني، شقيقة بابك زنجاني، بعد اتهامها بالترويج لسوق “زِدكسيون” للأصول الرقمية غير القابلة للاستبدال وإجراء معاملات مرتبطة بمحافظ رقمية تابعة للشبكة. وشملت القائمة أيضاً سولماز باني، شريكة زنجاني، بسبب دورها في تسجيل مواقع إلكترونية مرتبطة بشركاته.
تجميد الأصول والتحذيرات
استندت وزارة الخزانة الأمريكية في هذه الإجراءات إلى الأمر التنفيذي رقم 13902، الذي يستهدف الأفراد والكيانات المرتبطة بالحكومة الإيرانية أو التي تعمل لصالحها.
وتؤدي العقوبات إلى تجميد أي ممتلكات أو مصالح مالية لهؤلاء الأشخاص والكيانات داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أمريكيين، كما تمتد تلقائياً إلى أي شركة تملكها أو تسيطر عليها هذه الأطراف بنسبة 50% أو أكثر.
كما تحظر القوانين الأمريكية على الأشخاص والشركات الأمريكية إجراء أي معاملات مع الجهات المدرجة، وتحذر المؤسسات المالية الأجنبية من احتمال تعرضها لعقوبات ثانوية إذا ساعدت في تنفيذ معاملات كبيرة لصالح هذه الشبكة.
ولا تستهدف واشنطن زنجاني وحده، بل تسعى إلى تفكيك المنظومة المحيطة به، من أفراد وشركات وشركاء تجاريين، بهدف إغلاق المسارات التي استخدمت لإخفاء الملكية الحقيقية وتحريك الأموال عبر قنوات متعددة.
المواجهة المالية والعسكرية
تأتي هذه العقوبات في ظل تصعيد عسكري متزايد بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما انهارت الهدنة الهشة بين الجانبين، لتعود المواجهة إلى مسار أكثر حدة مع استمرار الضربات المتبادلة والضغوط الإقليمية.
في هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن النظام الإيراني يدفع ثمناً اقتصادياً متزايداً نتيجة سياساته، مشيراً إلى الضغوط التي تواجه الاقتصاد الإيراني وتراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم.
كما ربط المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت الإجراءات الأخيرة بالهجمات الإيرانية على السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، داعياً الحكومات الدولية إلى تجنب التعامل مع زنجاني أو أي جهات مرتبطة بتمويل النظام الإيراني.
تفكيك شبكات الالتفاف
يمثل استهداف شبكة بابك زنجاني مرحلة جديدة في سياسة واشنطن تجاه إيران، حيث لم تعد العقوبات تركز فقط على المؤسسات الحكومية أو القطاعات النفطية التقليدية، بل انتقلت إلى ملاحقة الوسطاء والشركات التي توفر للنظام أدوات مالية بديلة.
ويكشف اتساع دائرة العقوبات لتشمل شركات الذهب والطيران والسكك الحديدية والألماس والأصول الرقمية في ثلاث دول مختلفة، عن حجم الشبكة التي بناها زنجاني خلال السنوات الماضية، وعن اعتماد إيران المتزايد على الهياكل التجارية المرنة لتجاوز القيود الدولية.
ومع استمرار التصعيد بين واشنطن وطهران، تبدو الجبهة المالية مرشحة للبقاء مساراً موازياً للمواجهة العسكرية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تقويض قدرة النظام الإيراني على إعادة تدوير الأموال وتمويل شبكاته عبر قنوات غير تقليدية.















