لم يكن قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان منظمات إرهابية إجراءً تقنياً أو خطوة رمزية، بل بات يشكّل تحوّلاً استراتيجياً في مقاربة الولايات المتحدة للإسلام السياسي ككل. لا يستهدف هذا القرار تنظيماً بعينه بقدر ما يعيد رسم الحدود بين ما يعتبره النظام الدولي فاعلاً سياسياً مشروعاً، وما يراه تهديداً بنيوياً يتجاوز منطق الدولة والقانون.
بهذا التصنيف، تطوي واشنطن صفحة طويلة من الغموض والتردد في التعامل مع الإخوان المسلمين، وتنتقل من سياسة الاحتواء البراغماتي إلى سياسة الفرز الصريح، في لحظة دولية تتسم بتراجع الصبر على التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود.
نهاية الرهان الغربي على “الإسلام السياسي المعتدل”
لسنوات، ساد في الدوائر الغربية تمييز بين التنظيمات الجهادية العنيفة، وحركات إسلام سياسي قُدّمت بوصفها “معتدلة” وقابلة للإدماج في النظام السياسي. وكان الإخوان المسلمون النموذج الأبرز لهذا الرهان، إذ جرى التعامل معهم كبديل أقل خطورة من التنظيمات المسلحة، وقوة اجتماعية قادرة على احتواء التطرف.
غير أن التجارب العملية، من مصر إلى غزة، ومن ليبيا إلى سوريا، كشفت حدود هذا التصور. ففي كل مرة اقترب فيها الإخوان من السلطة، أظهروا نزعة احتكارية، وتعاملوا مع الديمقراطية كأداة مرحلية لا كقيمة مؤسِّسة، ومع الدولة كمجال للسيطرة التنظيمية لا كمؤسسة وطنية جامعة. وحين أُبعدوا عن الحكم، لم يتحولوا إلى معارضة سياسية تقليدية، بل أعادوا تفعيل خطاب المظلومية والتدويل والتعبئة الأيديولوجية.
يعكس القرار الأميركي إدراكاً متأخراً بأن الخطر الذي تمثله الجماعة لا يكمن فقط في العنف المباشر، بل في بنيتها الفكرية والتنظيمية التي تُنتج العنف أو تهيّئ شروطه وتوفّر له الغطاء السياسي والأخلاقي.
إعادة تعريف الإرهاب: من الفعل إلى البنية
أحد أخطر أبعاد التصنيف الأمريكي هو توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل ما يمكن تسميته “الإرهاب البنيوي”. فواشنطن لم تعد تحصر التهديد في العمليات المسلحة، بل باتت تنظر إلى التنظيمات التي تمتلك أيديولوجيا إقصائية، وشبكات تمويل عابرة للحدود، وولاءً تنظيمياً يتقدّم على الانتماء الوطني، بوصفها تهديداً استراتيجياً طويل الأمد.
في هذا الإطار، تُدرج فروع الإخوان المسلمين ضمن منظومة أوسع من الكيانات غير التابعة للدولة التي تعمل خارج منطق السيادة والمسؤولية القانونية، حتى وإن اختلفت أدواتها التكتيكية. القاسم المشترك بينها هو مشروع سياسي يرى نفسه فوق الدولة، ويستخدم السياسة والدعوة والتنظيم كأدوات متداخلة للهيمنة.
التوقيت: نظام دولي أقل تسامحاً
يأتي القرار في لحظة دولية تتسم بتآكل الصبر على الكيانات الرمادية. فالحروب المفتوحة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، أعادت الاعتبار لمنطق الدولة الصلبة، وأضعفت شهية القوى الكبرى للتجريب مع تنظيمات لا يمكن ضبطها أو محاسبتها.
ترى إدارة ترامب، التي تتبنى مقاربة صارمة تجاه الأمن والتحالفات، أن التنظيمات العابرة للحدود تمثّل ثغرة بنيوية في النظام الدولي. ومن هذا المنطلق، لا يبدو التصنيف استهدافاً لدول بعينها، بل خطوة ضمن إعادة رسم قواعد اللعبة السياسية الدولية.
ردود الفعل العربية: صمت محسوب وتأييد ضمني
لم يصدر حتى إعداد هذا التقرير أي ردود فعل رسمية في مصر والأردن ولبنان. ففي القاهرة لا يشكّل القرار الأمريكي مفاجأة سياسية وهي التي كانت قد صنّفت جماعة الإخوان منظمة إرهابية داخلياً منذ العام 2013، وبنت استراتيجيتها الأمنية على هذا الأساس. وعلى الرغم من غياب بيان رسمي حديث يرحّب صراحة بالخطوة الأمريكية، فإن المزاج السياسي والإعلامي المصري يقرأ القرار بوصفه دعماً خارجياً متأخراً لموقف مصري راسخ، وإقراراً دولياً بصوابية المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدولة في مواجهة الجماعة.
أما في عمّان، حيث كانت الحكومة قد حظرت النشاط السياسي لجبهة العمل الإسلامي وأغلقت مقارها قبل القرار الأمريكي، فإن الخطوة الأمريكية تتقاطع جزئياً مع السياسات الداخلية، من دون أن تُحدث تغييراً جذرياً في المعادلة القائمة. غياب التصريحات الرسمية من الديوان الملكي أو وزارة الخارجية يعكس مقاربة أردنية تقليدية تقوم على ضبط التوازنات الداخلية، لا على التماهي العلني مع قرارات خارجية.
في بيروت، التي صنفت وزارة الخزانة الأمريكية فرع الجماعة فيها منظمة إرهابية أجنبية، تبدو ردود الفعل الرسمية باهتة ومجزأة، وهو أمر يعكس طبيعة المشهد السياسي اللبناني نفسه. لم يصدر موقف حكومي موحد، لكن تحليلات سياسية محلية تشير إلى أن القرار قد يُستخدم كعامل ضغط في السجالات الداخلية، أكثر مما يشكّل تحولاً فعلياً في التوازنات القائمة داخل بلد يعاني أصلاً من تشظي السلطة وتعدد مراكز القرار.
الخليج: انسجام كامل مع القرار الأمريكي
على النقيض، تلقّت دول مثل السعودية والإمارات والبحرين القرار الأمريكي بارتياح واضح، وإن لم يُترجم دائماً ببيانات رسمية مباشرة. فهذه الدول كانت قد صنّفت جماعة الإخوان منظمة إرهابية منذ سنوات، واعتبرتها مصدر اضطراب وتهديد للأمن الوطني.
الخطوة الأمريكية، في هذا السياق، تُقرأ كاعتراف دولي متأخر بالمخاطر التي لطالما حذّرت منها هذه العواصم، وكإعادة اصطفاف مع رؤيتها التي تعتبر أن الإسلام السياسي المنظم ليس جزءاً من الحل، بل من المشكلة.
غياب الموقف العربي الموحّد
على مستوى جامعة الدول العربية والمؤسسات الإقليمية المشتركة، لم يصدر حتى الآن موقف موحد يؤيد أو يدين القرار الأمريكي. يعكس هذا الغياب حقيقة بنيوية في النظام العربي: الخلافات العميقة حول تعريف التهديدات، وحدود العمل المشترك، وطبيعة العلاقة مع التنظيمات الأيديولوجية.
دبلوماسيون عرب يشيرون إلى أن لوائح الإرهاب تُصاغ عادة وفق أولويات كل دولة، وأن الجامعة تفضّل تجنب تبنّي مواقف موحدة في ملفات شديدة الحساسية، ما يجعل رد الفعل الإقليمي أقرب إلى التحفظ الحذر منه إلى الاصطفاف الواضح.
تداعيات أوروبية ودولية
من جهة أخرى، يضع القرار الأمريكي الحكومات الأوروبية أمام أسئلة مؤجلة. فشبكات مرتبطة بالإخوان تنشط في أوروبا تحت عناوين ثقافية وخيرية وحقوقية، وقد استفادت طويلاً من المنطقة الرمادية بين الأمن والحريات. التصنيف الأمريكي سيعيد فتح ملفات التمويل، والواجهات المدنية، والعلاقات السياسية، ويضع العواصم الأوروبية أمام اختبار صعب بين الخطاب القيمي ومتطلبات الأمن.
كذلك، يفرض القرار ضغطاً على دول إقليمية لعبت دور الحاضن السياسي أو الإعلامي للإخوان، إذ لم يعد هذا الدعم يُقرأ كخلاف تكتيكي مع واشنطن، بل كاختلاف جوهري في تعريف التهديدات.
الإخوان أمام مأزق وجودي
بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، لا يعني التصنيف نهاية فورية للتنظيم، لكنه يعني نهاية قدرتها على تقديم نفسها كفاعل سياسي مقبول دولياً. ستتقلص مساحات الحركة، وتُشدّد القيود على التمويل، وتنهار سردية “الضحية الديمقراطية” التي شكّلت ركيزة خطابها الخارجي.
الأهم أن الجماعة تواجه مأزقاً فكرياً عميقاً: إما مراجعة جذرية لمفهومها للدولة والسياسة، وهو احتمال ضعيف تاريخياً، أو الانكفاء والتشدد، بما يحمله ذلك من مخاطر تفكك داخلي أو راديكالية إضافية.
ما بعد المنطقة الرمادية
ما أقدمت عليه واشنطن ليس مجرّد تصنيف تنظيمي، بل إعلان عن نهاية مرحلة كاملة من الغموض الاستراتيجي. الرسالة واضحة: من لا يعترف بالدولة الوطنية كمرجعية نهائية، ومن يضع التنظيم فوق المجتمع، ومن يستخدم الديمقراطية كأداة لا كقيمة، لن يُمنح شرعية دولية.
بهذا القرار، تُغلق الولايات المتحدة فصلاً طويلاً من التعامل الملتبس مع الإسلام السياسي، وتفتح فصلاً أكثر صرامة ووضوحاً. أما جماعة الإخوان المسلمين، التي راهنت طويلاً على اللعب بين الخطوط، فقد وجدت نفسها فجأة خارج المشهد الدولي، في لحظة يعاد فيها تعريف السياسة، والشرعية، ومعنى التهديد.















