بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

معركة جيوسياسية

واشنطن تحاصر وطهران تتحايل.. انتهاء مهلة الستين يوماً يفتح مرحلة من الصدام البحري والضغط الاقتصادي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تنقل واشنطن مواجهتها مع طهران إلى مرحلة جديدة بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي نصت عليها “مذكرة إسلام آباد”، فيما تحاول إيران الالتفاف على الخناق الاقتصادي والبحري بشبكة واسعة من الناقلات والوسطاء والمسارات البديلة. ومع انقضاء المهلة من دون اتفاق نهائي، تتحرك باكستان وقطر لتمديدها، بينما تقول طهران إن العدّ التنازلي لم يبدأ وفق حساباتها. وفي المقابل، تتجه الولايات المتحدة إلى تثبيت ضغط اقتصادي طويل الأمد، بعدما أعادت فرض حصارها البحري على الموانئ الإيرانية.

تواجه واشنطن خصماً راكم خلال سنوات العقوبات خبرة واسعة في تجاوز القيود. فقد بنت طهران منظومة تعتمد على “أسطول ظل” من الناقلات، وشركات واجهة وهياكل ملكية متشابكة، وتغيير أسماء السفن وأعلامها، وتعطيل إشارات التتبع، وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى، إضافة إلى شبكة من الوسطاء والمشترين والمصافي الآسيوية. ولم تعد هذه الأدوات وسائل طارئة، بل تحولت إلى بنية موازية تسمح لإيران بإبقاء جزء من صادراتها النفطية متحركاً رغم العقوبات.

تحاول واشنطن ضرب هذه البنية لا النفط الإيراني وحده. فالمعركة تستهدف الطريق الذي يسلكه البرميل من الميناء إلى المشتري: السفينة ومالكها، شركة التأمين والوسيط، الميناء والمصفاة، وصولاً إلى النظام المالي. ومن هنا تتبلور المعادلة التي تحكم المرحلة الجديدة: واشنطن تحاصر، وطهران تتحايل، والبحر هو المكان الذي تتصادم فيه الاستراتيجيتان.

من التفاهم إلى الحصار

تعود الأزمة الحالية إلى الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط، قبل أن تقود وساطات إقليمية إلى هدنة هشة ثم إلى “مذكرة إسلام آباد”، التي وُقعت رقمياً في 14 يونيو/حزيران ورسمياً في فرساي في 17 يونيو/حزيران. ونصت على وقف العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوماً، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، وفتح مسار تفاوض حول الملف النووي والأصول الإيرانية المجمدة.

لكن التفاهم سرعان ما اهتز. ومع تجدد استهداف السفن التجارية على المسار العُماني البديل، أعادت واشنطن فرض حصارها البحري في 13 يوليو/تموز. ومنذ 6 يوليو، رُصدت 18 حادثة استهداف بمقذوفات في المضيق، تركزت 16 منها في الممر الجنوبي قرب السواحل العُمانية، إلى جانب حوادث تعطيل ملاحي واحتجاز سفن وخسائر بشرية بين البحارة.

أصبح البحر جزءاً من الأزمة السياسية نفسها، لا مجرد مسرح موازٍ لها. فالمفاوضات التي يفترض أن تعيد فتح الممرات البحرية تجد نفسها أمام واقع ميداني يعيد تشكيل شروط التفاوض كل يوم.

الحصار بلا مواجهة مباشرة

لا يحتاج الخناق البحري إلى إغلاق الموانئ الإيرانية أو اعتراض كل ناقلة. تستطيع واشنطن تحقيق جزء كبير من هدفها عبر ضرب سلسلة الخدمات التي تجعل التجارة ممكنة: التأمين، والتمويل، والموانئ، وشركات الشحن والمشترين.

وتشير المعطيات إلى أن نطاق الحظر الأمريكي حول المضيق بات يتكون من منطقة اعتراض أولى تمتد لنحو 65 ميلاً بحرياً، لا تسجل فيها عملياً عمليات عبور، ونطاق أوسع تتكدس عنده عشرات الناقلات المنتظرة. ومع ذلك، تمكنت ناقلة إيرانية في منتصف أغسطس/آب من كسر الحصار، بعد تنفيذ عملية نقل من سفينة إلى أخرى قبالة عُمان وإغلاق أجهزة التتبع لعدة أيام.

وهكذا يتحول الحصار الحديث إلى هندسة للمخاطر: نقل النفط الإيراني بكلفة أعلى، وتأمين أصعب، وبيع أكثر تعقيداً، من دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع كل سفينة.

أسطول الظل يفتح منافذ

يمثل “أسطول الظل” الأداة الأهم في استراتيجية الالتفاف الإيرانية. فالسفن تستطيع تغيير ملكيتها وأسمائها وأعلامها، وإخفاء منشأ الشحنات، وتنفيذ عمليات نقل من سفينة إلى أخرى، ثم إعادة إدخال النفط في سلسلة تجارية يصعب تتبعها.

وهنا تكمن أهمية التحايل الإيراني؛ لكن هذه الشبكات تواجه خصماً يعتمد بصورة متزايدة على البيانات، فإغلاق نظام التعريف الآلي AIS لا يجعل الناقلة غير مرئية، بل يحجب جزءاً من إشاراتها فقط. ويمكن للأقمار الصناعية وصور الموانئ ومسارات السفن إعادة بناء جزء من الحركة المفقودة. لذلك أصبحت المواجهة حرب بيانات بقدر ما هي حرب عقوبات: إيران تحاول إخفاء الخريطة، وواشنطن تحاول إعادة رسمها.

تمكنت طهران من إبقاء ناقلاتها قادرة على الحركة، وشحناتها قابلة للبيع، وشبكاتها التأمينية والمالية قادرة على العمل، وتراجعت قدرة الحصار على تحقيق هدفه الاقتصادي. أما إذا نجحت واشنطن في تفكيك هذه الشبكة من حلقاتها المختلفة، فقد يتحول الالتفاف الإيراني من وسيلة للبقاء إلى عملية عالية الكلفة لا تستطيع طهران توسيعها بلا حدود.

هرمز يتصل بالبحر

يبقى مضيق هرمز قلب المعركة، لكن تداعياتها تجاوزته. فقد تعثرت مساعي عُمان وإيران للتوصل إلى “ممر أوسط” لتنظيم حركة السفن، وسط إصرار طهران على شروط تتعلق بالمياه الإقليمية وإدارة الملاحة.

في الوقت نفسه، اتسعت المواجهة إلى البحر الأحمر بعد إعلان الحوثيين، المدعومين من إيران، حصاراً بحرياً على باب المندب. وتعني هذه التطورات أن واشنطن تواجه مسرحين بحريين متزامنين: هرمز، حيث تمتلك إيران ورقة استراتيجية حساسة، والبحر الأحمر، حيث يمكن للضغط على الملاحة أن يرفع كلفة الأزمة على التجارة والطاقة.

لكن هرمز يبقى سلاحاً ذا حدين. تستطيع إيران استخدامه لرفع كلفة الضغط عليها، لكنها ستدفع هي أيضاً ثمن أي تعطيل طويل للملاحة. أما الولايات المتحدة، فتستطيع استخدام الحصار لتعزيز موقفها التفاوضي، لكنها تخاطر بارتفاع أسعار الطاقة واتساع التداعيات العالمية.

الصين تختبر حدود الخنق

تبقى الصين الحلقة الأهم في اختبار قدرة واشنطن على خنق صادرات النفط الإيرانية، فطهران تستطيع الالتفاف على جزء من العقوبات طالما يوجد مشترون مستعدون لتحمل المخاطر. وقد استهدفت واشنطن مصفاة صينية وشركات شحن وناقلات مرتبطة بشراء النفط الإيراني، في محاولة لضرب الحلقة الأخيرة من سلسلة التجارة الإيرانية. وردت بكين برفض العقوبات الأمريكية، لكن اعتماد الشركات والبنوك الصينية الكبرى على النظام المالي العالمي يحد من قدرتها على تحدي العقوبات بصورة مفتوحة.

وهنا تتحول المواجهة إلى اختبار أوسع: هل تستطيع واشنطن جعل النفط الإيراني مكلفاً بما يكفي لإبعاد المشترين، أم تستطيع طهران امتصاص الضغط عبر الخصومات والوسطاء والعملات البديلة وأساطيل الظل؟ فالضغط على المشترين قد يكون أكثر حساسية من الضغط على الناقلات نفسها. لأن إغلاق مسار بحري يمكن التحايل عليه بسفينة أخرى، لكن تقليص عدد المشترين القادرين على تحمل العقوبات يضرب الحلقة التي تمنح شبكة الالتفاف الإيرانية جدواها الاقتصادية.

لم يُغلق انتهاء مهلة الستين يوماً باب التفاوض، لكنه غيّر الشروط. فبين محاولات باكستان وقطر تمديد المهلة، وإصرار طهران على أن العدّ لم يبدأ أصلاً، ينتقل الطرفان من سباق مع الزمن إلى صراع على تكلفة الزمن نفسه.

تريد واشنطن إغلاق الخرائط التي بنتها إيران للالتفاف على العقوبات، بينما تحاول طهران فتح خرائط جديدة كلما أُغلق مسار. وبين هرمز وبحر عمان والبحر الأحمر وطرق الطاقة الآسيوية، لم تعد القوة تقاس بعدد السفن الحربية، بل بالقدرة على إبقاء التجارة تتحرك تحت الضغط.

في هذه الحرب الصامتة، قد لا يكون المنتصر من يغلق البحر، بل من يجعل حركة خصمه فيه أغلى من قدرته على الاستمرار. فإذا نجحت واشنطن في تحويل العقوبات إلى حصار اقتصادي فعلي، ستدخل طهران أي مفاوضات مقبلة تحت ضغط أكبر. أما إذا حافظت إيران على شبكاتها البحرية والتجارية، فقد تتحول مهلة الستين يوماً إلى محطة جديدة في حرب استنزاف أطول.