بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

أدوات مالية

“واتساب” في قلب اقتصاد “داعش” السرّي: من الحوالة إلى العملات المشفرة وشبكات الوسطاء العابرة للحدود

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يعيد تنظيم “داعش” بناء اقتصاده السري بطريقة لا تعتمد على ابتكار أدوات مالية جديدة بقدر ما تقوم على وصل أدوات قديمة بتقنيات اتصال حديثة. وفي قلب هذا التحول يبرز “واتساب” كطبقة اتصال تدير من خلالها شبكات الحوالة علاقاتها عبر الحدود، فيما تنتقل القيمة فعلياً عبر وسطاء نقديين خارج النظام المصرفي التقليدي، وتدخل العملات المشفرة تدريجياً لتضيف قناة أخرى إلى هذه المنظومة.

تكشف تحقيقات أوروبية كيف تحولت مجموعات “واتساب” إلى منصات لتنسيق تحويلات نقدية عبر الحدود بمئات الملايين من اليوروهات، هدفها تمويل الإرهاب. إحدى هذه المجموعات ضمت 532 عضواً، وتبادلت أكثر من 82 ألف رسالة خلال عشرة أشهر.

الأخطر من هذا.. أن التحقيقات وثّقت حالة انتقلت فيها مدفوعات من بروكسل إلى مسلحين من “داعش” في سوريا، فيما امتدت الشبكة نفسها إلى معاملات مرتبطة بتهريب البشر والاتجار بالمخدرات. والقضية التي بدأت تحقيقاً في تمويل الإرهاب كشفت لاحقاً عن منظومة أوسع من شبكة تمويل تنظيم واحد.

المغزى هنا لا يتعلق بـ”واتساب” بحد ذاته، بل بما أصبح التطبيق يوفره لشبكات مالية تعمل خارج القنوات التقليدية: الهاتف يحمل التعليمات، بينما تتحرك الأموال عبر الحوالة.

“واتساب” فوق شبكة الحوالة

لا ينقل “واتساب” الأموال، لكنه يوفر قناة اتصال سريعة بين أطراف عملية التحويل. ويعتمد نظام الحوالة على شبكة من الوسطاء؛ يتسلم أحدهم المال في دولة، ويتولى وسيط آخر تسليم القيمة نفسها إلى المستفيد في دولة أخرى، قبل أن تتم تسوية الحسابات بينهم لاحقاً.

وتمنح تطبيقات التراسل هذه الشبكات قدرة أكبر على إدارة عملياتها من دون الحاجة إلى تحويل مصرفي مباشر لكل معاملة، ولا أن يعني ذلك أن كل استخدام للحوالة عبر “واتساب” مرتبط بالإرهاب، وهذا ما يجعلها جذابة للأنشطة غير المشروعة التي تحاول تجنب التدقيق المصرفي.

وتؤكد شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية أن “داعش” يستخدم مزيجاً من الحوالة والسعاة النقديين ومزودي خدمات تحويل الأموال، إلى جانب وسائل التواصل والأصول الرقمية. كما وثّقت تدفقات مالية وصلت إلى مؤيدين للتنظيم في مخيم الهول عبر الحوالة، وكان جزء منها مصدره خارج سوريا أو مر عبر دول مجاورة.

هنا تكمن النقلة الأساسية: التكنولوجيا لم تستبدل الحوالة، بل جعلت إدارتها أكثر مرونة واتساعاً.

“الهول” عقدة مالية

ارتبط مخيم “الهول” لسنوات بشبكات تمويل وتهريب مرتبطة بـ”داعش”، باعتباره بيئة التقت فيها شبكات بشرية ومالية وأمنية. وتشير المعطيات الأمريكية إلى استخدام الأموال لمساعدة مؤيدين للتنظيم داخل المخيم أو تسهيل إخراج بعضهم، إلى جانب محاولات استغلال البيئة المغلقة للتجنيد وإعادة بناء الروابط التنظيمية.

لكن إغلاق “الهول” في 2026 يفرض قراءة مختلفة للمشهد؛ فالمخيم لم يعد نقطة ثابتة يمكن ربط كل نشاط مالي بها، بينما يمكن للشبكات التي نشأت حوله أن تستمر خارج حدوده. ولذلك تتحول أهمية “الهول” من مكان قائم إلى إرث من العلاقات والوسطاء ومسارات التمويل والتهريب القابلة لإعادة الانتشار. تعكس هذه النقلة تحولاً أوسع في التنظيم نفسه: بعدما خسر الأرض، أصبح يعتمد أكثر على شبكات يمكن نقلها بدلاً من بنية تحتاج إلى منطقة سيطرة.

العملات المشفرة توسع المجال

لم تحلّ العملات المشفرة محلّ الحوالة، لكنها أضافت بعداً جديداً إلى اقتصاد “داعش” المالي. وتؤكد تقارير أمريكية وأممية استخدام التنظيم وأنصاره للأصول الرقمية، بما فيها “بيتكوين” والعملات المستقرة، في جمع الأموال وتحويلها.

وتوفر هذه الأدوات سرعة في نقل القيمة عبر الحدود وإمكانية تجاوز بعض القنوات المصرفية، لكن الاعتقاد بأنها تمنح إخفاءً كاملاً غير دقيق؛ فالمعاملات على سلاسل الكتل العامة تترك سجلاً رقمياً يمكن تحليله وربطه بمحافظ ومنصات وأشخاص معروفين.

تظهر هنا مفارقة مهمة: المال الرقمي قد يكون أصعب في ضبطه من التحويل المصرفي التقليدي، لكنه قد يكون أكثر قابلية للتتبع من النقد عندما تتوافر أدوات تحليل سلاسل الكتل والمعلومات الاستخبارية اللازمة لربط العناوين الرقمية بهويات أصحابها.

التمويل الصغير يربك الرقابة

تتجه شبكات تمويل الإرهاب أيضاً إلى تفتيت التدفقات المالية. بدلاً من تحويل مبالغ كبيرة عبر قناة واحدة، يمكن جمع مبالغ صغيرة من متبرعين متعددين ثم تمريرها عبر محافظ أو وسطاء مختلفين.

وتحذر شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية (FinCEN) من استخدام “داعش” ومؤيديه وسائل التواصل ومزودي خدمات الأصول الافتراضية في جمع الأموال، بما يعكس نموذجاً تمويلياً أكثر توزيعاً وأقل اعتماداً على مركز واحد.

في هذا السياق، تصبح قيمة العملية المالية أقل أهمية من نمطها. فتكرار التحويلات، وتشابه وجهاتها، وارتباط المحافظ أو الوسطاء ببعضهم، قد يوفر مؤشرات أقوى من حجم أي معاملة منفردة.

المعركة ضد الوسطاء

تكشف هذه المنظومة أن مركز الثقل في اقتصاد “داعش” لم يعد خزينة مركزية، بل الوسطاء الذين يربطون بين أدوات مختلفة. فالمال قد يبدأ بتبرع صغير، وينتقل عبر محفظة رقمية أو حوالة، ثم يتحول إلى نقد في منطقة نزاع. وبين هذه المراحل، تتحرك الرسائل التي تنسق العملية وتربط أطرافها.

لذا، تحتاج مكافحة تمويل التنظيم إلى دمج الاستخبارات المالية مع تحليل سلاسل الكتل والمعلومات الميدانية. فإغلاق محفظة واحدة لا يكفي، وتعطيل تطبيق اتصال لا يوقف شبكة كاملة، فيما لا يؤدي تجميد حساب مصرفي إلى قطع مسار مالي يعتمد أساساً على النقد والوسطاء.

وتبرز تركيا في هذه المعادلة بوصفها إحدى البيئات التي تتقاطع فيها مسارات التحويل والتهريب، فيما أخرجتها مجموعة العمل المالي من قائمة المراقبة المعززة في يونيو/حزيران 2024 بعد تنفيذ إصلاحات في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

اقتصاد بلا خزينة

يمثل هذا النموذج نتيجة مباشرة لتحول “داعش” من تنظيم يسيطر على الأرض إلى شبكة تعمل عبر الحدود. فقدان النفط والضرائب والموارد التي وفرها له مشروع “الخلافة” قلص قدرته المالية، لكنه دفعه إلى اقتصاد أقل مركزية وأكثر قدرة على التكيف.

ولا تكمن القصة في “واتساب” وحده، ولا في العملات المشفرة، بل في قدرة التنظيم على التنسيق بين الهاتف والحوالة والمحفظة الرقمية والنقد وشبكات التهريب ضمن منظومة واحدة.

تنتقل المعركة من ملاحقة الأموال إلى تتبع مسارها؛ من المانح إلى الوسيط، ومن الرسالة إلى الحوالة، ومن المحفظة الرقمية إلى النقد. لا يحتاج اقتصاد “داعش” الجديد إلى خزينة يمكن تجميدها، بل إلى شبكة صغيرة قادرة على إعادة بناء نفسها كلما أغلقت إحدى حلقاتها.