بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

اقتصاد رياضي

هل يبيع “فيفا” كأس العالم؟ مشروع استثماري جديد يفتح أخطر مواجهة مع “يويفا”

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

لم تعد الأزمة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) مجرد خلاف إداري أو نزاع حول توزيع الإيرادات، بل تحولت إلى مواجهة تتعلق بمستقبل حوكمة اللعبة الأكثر شعبية عالمياً. ففي قلب الأزمة يقف مقترح “فيفا” إنشاء شركة تجارية جديدة تتولى إدارة الحقوق التجارية والاستثمارية لجميع بطولات الاتحاد الدولي، مع طرح حصة أقلية منها لمستثمرين من القطاع الخاص مقابل ضخ مليارات الدولارات في المنظومة الكروية العالمية.

رغم تأكيد “فيفا” أن السيطرة الكاملة على الشركة، التي تحمل اسم FIFA Forward Enterprise “فيفا فورورد إنتربرايز”، ستظل بيده، وأن المستثمرين لن يمتلكوا أي صلاحيات تتعلق بإدارة اللعبة أو قوانينها، فإن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يرى أن المشروع يتجاوز مجرد إعادة هيكلة مالية، ويؤسس لمرحلة جديدة يصبح فيها كأس العالم وبقية البطولات العالمية أصولاً استثمارية تخضع لمنطق العائد المالي أكثر من قيمتها الرياضية والتاريخية.

مشروع الـ20 مليار دولار

بحسب الخطة المطروحة، يسعى “فيفا” إلى تأسيس شركة مملوكة له بالكامل تتولى إدارة حقوق البث والرعاية والتذاكر والتسويق والأنشطة التجارية المرتبطة بجميع بطولاته، ثم بيع حصة أقلية لمجموعة من المستثمرين طويلي الأجل، على أساس تقييم أولي يبلغ نحو 20 مليار دولار، بما يسمح بجمع ما يصل إلى 4.2 مليارات دولار خلال المرحلة الأولى.

ويؤكد الاتحاد الدولي لكرة القدم أن الأموال الجديدة سيعاد استثمارها بالكامل في تطوير اللعبة، عبر زيادة التمويل المخصص للاتحادات الوطنية الـ211، مع تقديم منح استثنائية تصل إلى 20 مليون دولار لكل اتحاد، إضافة إلى رفع مخصصات برنامج “فيفا فورورد” خلال الدورات المقبلة. ويرى “فيفا” أن هذه الخطوة تمنح الدول النامية فرصة تاريخية لتعزيز بنيتها الرياضية وتقليص الفجوة مع القوى التقليدية في اللعبة.

“فيتو” الاتحاد الأوروبي

بالنسبة إلى “يويفا”، لا يتعلق الاعتراض بحجم الأموال، بل بطبيعة النموذج نفسه. فالبيان الأوروبي جاء شديد اللهجة، معتبراً أن كأس العالم “ليس منتجاً استثمارياً”، وأن إدخال مستثمرين ماليين إلى هيكل الملكية التجارية لبطولات “فيفا” يمثل تجاوزاً لخط أحمر. إذ إن المستثمرين، إذا لم يمتلكوا سلطة مباشرة، يبحثون بطبيعتهم عن تعظيم قيمة استثماراتهم من خلال زيادة الإيرادات والحقوق التجارية وتعظيم الأرباح، وهو ما قد يدفع مستقبلاً إلى توسيع البطولات أو زيادة عدد المباريات أو تعديل الروزنامة الدولية بما يخدم العائد المالي أكثر من المصلحة الرياضية. وهي مخاوف يعززها تاريخ الرياضة العالمية مع دخول صناديق الاستثمار الخاصة إلى مسابقات كبرى في رياضات مختلفة.

كما انتقد “يويفا” الطريقة التي جرى بها إعداد المشروع، معتبراً أنه طُرح دون مشاورات كافية مع الاتحادات القارية، ووصف ذلك بأنه إخفاق في الحوكمة وإدارة اللعبة العالمية.

ولم يكتف الاتحاد الأوروبي بالرفض السياسي، إذ صوّت، إلى جانب اتحاداته الوطنية الـ55، بالإجماع على مقاطعة جميع بطولات “فيفا” إذا مضى المشروع قدماً، في خطوة نقلت الخلاف من مستوى الاعتراض إلى مواجهة مؤسسية مفتوحة.

صراع نفوذ وخلاف مالي

وراء الجدل المالي تكمن معركة نفوذ ممتدة بين “فيفا”، برئاسة جياني إنفانتينو، و”يويفا”. فمنذ سنوات، تتهم أوروبا الاتحاد الدولي لكرة القدم بالسعي إلى توسيع بطولاته باستمرار، سواء عبر زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم أو توسيع كأس العالم للأندية، بما يرفع الإيرادات ويعزز نفوذ “فيفا” على حساب البطولات القارية التي يديرها “يويفا”.

في المقابل، يرى “فيفا” أن النظام التقليدي منح أوروبا نفوذاً اقتصادياً وسياسياً يفوق حجمها العددي داخل المنظمة، وأن تعزيز التمويل المباشر للاتحادات الوطنية، خاصة في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، يحقق توازناً أكبر داخل كرة القدم العالمية، ويمنح الدول الأقل دخلاً فرصة للاستفادة من الشعبية التجارية الهائلة للعبة.

مشروع من دون خصخصة

رد إنفانتينو على الانتقادات بالتأكيد على أن المشروع لا يستهدف خصخصة كأس العالم أو التخلي عن السيطرة على بطولات “فيفا”، بل يهدف إلى توفير مصادر تمويل مستدامة لتطوير اللعبة عالمياً. وأوضح أن المستثمرين المقترحين لن يحصلوا على أي صلاحيات تتعلق بإدارة كرة القدم أو قوانينها أو تنظيم البطولات، مشدداً على أن “فيفا” سيحتفظ بالسيطرة الكاملة على الحوكمة والقرارات الرياضية.

كما أشار إلى أن الاتحاد الدولي استمع إلى المخاوف التي أبدتها الاتحادات القارية، وسيواصل مشاوراته مع جميع الاتحادات الأعضاء لضمان أن يستند أي تصويت على المشروع إلى معلومات كاملة، معتبراً أن بعض التقارير الإعلامية المبكرة شوّهت مضمون المقترح وأربكت عملية التشاور التي كان يعتزم الاتحاد إجراءها.

ماذا بعد؟

حتى الآن، لم يتحول المشروع إلى قرار نهائي، إذ يحتاج إلى موافقة غالبية الاتحادات الوطنية، إضافة إلى استكمال الإجراءات التنظيمية داخل “فيفا”. لكن مهما كانت نتيجة التصويت، فإن الأزمة كشفت انقساماً غير مسبوق داخل منظومة كرة القدم العالمية بين نموذجين مختلفين؛ الأول يرى أن تضخيم الإيرادات واستقطاب رؤوس الأموال هو السبيل لتمويل انتشار اللعبة عالمياً، والثاني يخشى أن يؤدي إدخال المستثمرين إلى تحويل البطولات التاريخية إلى أصول مالية تخضع لمنطق الأسواق.

وبين هذين التصورين، تبدو المواجهة الحالية أكبر من مجرد خلاف حول شركة جديدة، إذ إنها تمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل العلاقة بين الرياضة ورأس المال. فهل تبقى البطولات العالمية إرثاً رياضياً تديره المؤسسات التقليدية، أم تصبح جزءاً من منظومة استثمارية عالمية تحكمها اعتبارات السوق بقدر ما تحكمها المنافسة داخل المستطيل الأخضر؟