بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

هل تُجبر معسكرات القاعدة الجديدة في إفريقيا أمريكا على العودة إلى الساحل عبر بوابة نيجيريا؟

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

فتحت الضربة الأمريكية التي استهدفت مواقع مرتبطة بتنظيم “الدولة الإسلامية” في شمال غرب نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 الباب أمام سؤال يتردد بقوة في العواصم الإفريقية والغربية: هل تتحول العملية إلى “نموذج” لعودة أمريكية أوسع إلى حرب الساحل، في لحظة تتزايد فيها مؤشرات “توطّن” الجماعات الجهادية داخل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتتعثر فيها رهانات الأنظمة العسكرية على الشراكات البديلة؟

بينما تقول واشنطن إن تحركها جاء بطلب من أبوجا وفي إطار تعاون استخباراتي/عملياتي مشترك، يلمّح نائب قائد “أفريكوم” اللفتنانت جنرال جون برينان إلى أن الولايات المتحدة “ما زالت تتعاون” – وإن بشكل محدود – مع جيوش مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وأنها تبادلت معلومات لشن هجمات على أهداف إرهابية رئيسية. هذه الإشارة، على محدوديتها، تكتسب وزناً استثنائياً في بيئة ساحلية تتحول فيها الجماعات من “خلايا مطاردة” إلى بنى تدريب وتجذر واقتصاد حرب.

سوكوتو: بوابة نيجيريا وعودة “الضربة الدقيقة”

بحسب تقارير صحفية دولية، استهدفت ضربات “مدعومة أمريكياً” معسكرين مرتبطين بـ”داعش” في غابة “باوني” بولاية سوكوتو، في سياق حديث عن “عناصر أجنبية” تتسلل من نطاق الساحل، وباستخدام ذخائر موجهة وطائرات مسيّرة، ومن منصات في خليج غينيا. الأهم أمنياً هنا ليس فقط “الهدف”، بل منطق التدخل: جمع معلومات، تمكين شريك محلي، ثم ضربات نوعية عند توفر “هدف عابر للحدود”.

وتشير مصادر متعددة إلى أن نيجيريا نفسها تهيئ الرأي العام لاحتمال تكرار هذا النمط؛ إذ نقلت وسائل إعلامية فرنسية عن سياق التصريحات الرسمية، أن المزيد من الضربات مرجح ضمن عمليات مشتركة. كما تتقاطع الضربة مع مسار أميركي موازٍ لتوسيع “حزمة الدعم” لنيجيريا: تسليم إمدادات ومعدات عسكرية، والتزام بتسليم معدات سبق أن اشترتها أبوجا خلال خمس سنوات، تشمل مسيّرات ومنظومات دعم وقطع غيار.

هذا “الارتكاز النيجيري” يعوّض جزئياً عن حقيقة استراتيجية لا تغيب عن أي تقدير عملياتي: الولايات المتحدة أتمّت انسحابها العسكري من النيجر في سبتمبر 2024، ما يقلّص قدرة التمركز داخل “قلب الساحل” ويزيد الاعتماد على الشراكات الإقليمية والعمل “عن بُعد”.

مالي: من دعاية “التمكين” إلى مؤشرات الترسخ

في مالي، تُظهر المواد الدعائية المرتبطة بجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” سردية واضحة: معسكرات تدريب بأسماء محددة في الفترة ما بين نوفمبر 2025 ويناير 2026، وتدريبات تكتيكية/تسليحية وتجنيد وإعداد دعائي. هذه المواد بذاتها لا ترقى إلى “توثيق مستقل” يمكن البناء عليه وحده، لكنها تُقرأ أمنياً كإشارة إلى أن التنظيم يريد إقناع بيئته وحواضنه بأنه انتقل من “الكرّ والفرّ” إلى الاستقرار المؤسسي.

اللافت أن فكرة “التوطّن” لا تعتمد فقط على دعاية التنظيم، بل تسندها مؤشرات أوسع عن رسوخ الجماعات في الساحل. ففي تقرير لـ”رويترز” في يوليو 2025، وُصفت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بأنها أصبحت القوة الجهادية الأبرز في مناطق واسعة، وبعدد مقاتلين قُدّر بنحو 6 إلى 7 آلاف مقاتل، وباستراتيجية تنتقل من حرب ريفية متناثرة إلى ضغط على المواقع الاستراتيجية ومحاولة تطويق العواصم، مع أنماط حكم محلية وجبايات وضرائب. وتذهب تقارير “ACLED” إلى أن التمرد الجهادي في دول الساحل الثلاث “مترسخ”، ويميل إلى التوسع عبر نشاط الجماعة وتنظيم “داعش الساحل”.

في الجانب العملياتي، أصبح التطور التقني جزءاً من معادلة التهديد. وأشارت ورقة بحثية صادرة عن “مركز سياسات الجنوب الجديد” إلى تصاعد وتيرة تعاطي جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” مع المسيّرات منذ 2023، وأن معظم الحوادث المؤكدة جاءت منذ مارس 2025، مع دمجها في الاستطلاع والدعاية وأحياناً الهجمات. كما خلص تقرير “معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح” إلى أن استخدام الأنظمة الجوية غير المأهولة من قبل جماعات مسلحة غير حكومية في إفريقيا يتركز في بيئات نزاع حدودية في غرب القارة السمراء، مع احتمالات انتشار الخبرات عبر الشبكات العابرة للحدود.

الأنظمة العسكرية بين موسكو وواشنطن

تتقاطع المعادلة الأمنية مع السياسة. فأنظمة مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي أعلنت إنشاء إطارها الإقليمي وتحدثت عن عمليات واسعة مشتركة، وتعميق علاقاتها الأمنية مع روسيا، ما زالت تواجه نزفاً أمنياً مزمناً. في مالي مثلاً، تضغط الهجمات والاختناقات على خطوط الإمداد؛ وتحدثت وكالة “أسوشيتد برس” عن تقنين الوقود بعد تراجع دخول الصهاريج نتيجة هجمات على القوافل، مع تقارير عن مرافقة قوات روسية لقوافل الوقود. وفي النيجر، وثّقت “هيومن رايتس ووتش” تصاعد هجمات “داعش الساحل” ضد المدنيين منذ مارس 2025، في حين برزت وقائع ميدانية دامية في تيلابيري على حدود مالي وبوركينا فاسو.

وسط هذا المشهد، تأتي تصريحات برينان لوكالة فرانس برس لتكشف أن “القنوات” لم تُغلق بالكامل، قائلاً: “ما زلنا نتعاون.. تبادلنا معلومات مع بعض هؤلاء لشن هجمات على أهداف إرهابية رئيسية”، مع إقراره بأن المستوى أدنى مما كان عليه قبل سنوات.

“حرب احتلال” أم حملة انتقائية

عودة أمريكا – إن حصلت – لن تكون على شكل “حرب احتلال” على الأرجح، بل على شكل حملة انتقائية تُدار من بوابة نيجيريا (تمكين + استخبارات + ضربات دقيقة) مع إبقاء خطوط تواصل مع جيوش الساحل، وقد تتسع عندما تتوفر ثلاثة شروط:

أولاً: تهديد عابر للحدود يمكن تسويقه سيادياً كحماية إقليمية (كما صيغت ضربات سوكوتو).

ثانياً: شريك مستعد للتنسيق يقدّم غطاءً سياسياً ومعلوماتياً (نيجيريا الآن النموذج).

ثالثاً: كلفة فشل محلي تتجاوز كلفة التراجع السياسي لدى أنظمة الساحل، فتقبل تعاوناً محدوداً دون إعلان اصطفاف كامل.

إلى ذلك، لن تجبر “معسكرات القاعدة”، سواء كدعاية تمكين أو كعنوان لرسوخ ميداني أوسع، واشنطن وحدها على العودة، لكنها ترفع احتمالات عودة مشروطة تُدار من الأطراف، وتُقاس بميزان أهداف عالية القيمة، لا بحرب مفتوحة. وفي بيئة الساحل، باتت المعادلة أقل اندفاعاً وأكثر حساباً، حيث تُحدَّد التدخلات بحدود المخاطر، لا بشعارات الالتزام الشامل.