من يعرف تاريخ فرنسا الحديث، يدرك أن الانتخابات الرئاسية يتحكم فيها “القضاء” و”القدَر”… ليس القضاء السماوي، بل قضاة المحاكم الذين يفتحون ملفات بعض المرشحين في كل استحقاق، ويؤثرون على حظوظهم في الفوز. أما القدر، فتلخصه عبارة الجنرال ديغول الشهيرة: “الانتخابات الرئاسية هي لقاء بين رجل وشعب” أي أنها بشكل ما “قَدَرٌ شخصي”، يحمل رجلاً إلى أعلى مراتب السلطة، حتى لو جاء من خارج المنظومة السياسية، كما حدث مع إيمانويل ماكرون. قضاء وقدر. انتخابات 2027 لا تشذ عن القاعدة.
مصير الاقتراع مُعلّق بين يدي القضاة الذين يبتون في قضية مارين لوبان، زعيمة أقصى اليمين، المتعلقة بـ”اختلاس أموال البرلمان الأوروبي”، والحكم الذي أصدرته في حقها محكمة الاستئناف، الثلاثاء المنصرم، من شأنه أن يغيّر المستقبل السياسي لفرنسا، بالنظر إلى الصلاحيات الواسعة التي يمنحها دستور الجمهورية الخامسة للرئيس، وحظوظ لوبان الوافرة في الفوز بالاقتراع. بغضّ النظر عن الإدانة والسوار الإلكتروني، أهم شيء في حكم الاستئناف أنه أعاد لزعيمة اليمين المتطرف حقّ الترشح في الانتخابات، بخلاف الحكم الابتدائي، الذي جردها من أهلية الترشح مع التنفيذ الفوري، مما يخلط الأوراق ويجعل نجلة جان-ماري لوبان قريبة من قصر الإليزيه، أكثر من أيّ وقت مضى.
القصة بدأت في 30 سبتمبر/أيلول 2024، مع أولى جلسات محاكمة زعيمة حزب “التجمع الوطني”، بتهمة “اختلاس أموال البرلمان الأوروبي”، خلال الفترة المتراوحة بين 2004 و2016، عندما كانت نائبة في برلمان ستراسبورغ، مع عدد من نواب الحزب وقياداته. الحكم الابتدائي صدر في 31 مارس/آذار 2025 عن محكمة الجنايات وخلّف زلزالاً سياسياً: أربع سنوات سجناً، منها سنتان نافذتان، والتجريد من أهلية الترشح لمدة 5 سنوات، مع التنفيذ الفوري… مما يعني خروجها نهائياً من سباق الرئاسيات، في وقت كانت كلّ استطلاعات الرأي تمنحها الفوز!
طبعا، اليمين المتطرف كعادته اتهم العدالة بالتحيز وتسييس الأحكام، وصبّ جام غضبه على ما يسميه بـ”جمهورية القضاة”، واضعاً الشرعية الشعبية في مواجهة الشرعية القضائية، ومعتبراً أن المحكمة ليس من حقها تحديد من يشاركون في الانتخابات الرئاسية. لكن الجهاز القضائي بادر إلى تسريع وتيرة المحاكمة كي تتضح الصورة قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية، هكذا نزل حكم الاستئناف ليصحّح وضع لوبان الانتخابي، رغم أن المحكمة أدانتها مرة أخرى بـ”اختلاس أموال عمومية”، فقد سمحت لها باستعادة حقها في الترشح. الحكم يبدو مصمّماً على المقاس كي ينفض القضاء يديه من مسؤولية حرمان زعيمة “التجمع الوطني” من الترشح، ولا يصنع منها ضحية.
في بلد تواجه فيه العدالة باستمرار، تهمة التدخّل في الحياة السياسية، نجحت المؤسسة القضائية في تجنب اتهامات التأثير على المسار الانتخابي، وتحمّل عواقب منع المرشحة الأوفر حظاً من المشاركة في الرئاسيات. المحكمة ثبَّتَت تهمة “الاختلاس” في حق لوبان لكنها رمت كرة الترشح في ملعب “التجمع الوطني”. لوبان سارعت إلى إعلان ترشحها في اليوم الذي صدر فيه الحكم، وسط حماس الأنصار، لكنها تواجه تحديات سياسية وأخلاقية، يمكن أن تتفاقم مع مرور الوقت، وتكلّف معسكرها غالياً.
على المستوى السياسي، يشهد حزب “التجمع الوطني” مواجهة صامتة بين أنصار مارين لوبان ومؤيدي جوردان بارديلا، الشاب الذي يرأس الحزب، والمرشح البديل الذي دشن حملته الانتخابية منذ مدة، وقطع فريقه أشواطاً في التحضير للاستحقاق، بناء على الحكم الابتدائي الذي يمنع لوبان من الترشح. استطلاعات الرأي تشير إلى أن التلميذ تفوّق على أستاذته: بارديلا يعمق الفارق مع خصومه على اليمين واليسار، في الدورة الأولى والثانية من الانتخابات الرئاسية، أكثر من مارين لوبان. في الوقت الذي يفيدنا استطلاع رأي آخر أن 54% من المتعاطفين مع “التجمع الوطني” يؤيدون مشاركة بارديلا في الانتخابات الرئاسية بكل الأحوال، حتى لو تمسكت لوبان بترشحها. فهل يسفر ذلك عن تصدع في معسكر اليمين المتطرف؟
الحقيقة أن لوبان يمكن أن تتحول إلى عالة على معسكرها، على غرار فرانسوا فيون في انتخابات 2017. نتذكر كيف رفض مرشح اليمين التقليدي الانسحاب من السباق، رغم تفاقم مشاكله مع القضاء، مما جعل معسكره يفشل فشلاً ذريعاً في الوصول إلى الدورة الثانية من الرئاسيات، رغم أن استطلاعات الرأي كانت تشير إلى أن استحقاق 2017 سيكون من نصيب معسكر اليمين الديغولي.
على المستوى الأخلاقي، يصعب على لوبان أن تبرر للفرنسيين لماذا انقلبت على موقفها الذي يربط الترشح للانتخابات بسجل قضائي نظيف. نجلة جان-ماري لوبان خرجت من الورطة القضائية لكنها دخلت في ورطة أخلاقية: لسنوات وهي تردّد أن من أدانه القضاء لا مكان له في الحياة السياسية، وها هو القضاء يدينها مرتين، ويثبِّتُ في حقها تهمة اختلاس أموال عمومية، ومع ذلك تصرّ على الترشح.
على كل حال، لقد عودتنا الانتخابات الرئاسية في فرنسا على المفاجآت. عام 2002 كان الجميع يترقب دورة ثانية بين الرئيس جاك شيراك ورئيس وزرائه ليونال جوسبان، وإذا بجان ماري لوبان، مرشح اليمين المتطرف، يخرج من الصندوق. وعام 2012، كانت الطريق معبدة أمام الاشتراكي دومينيك ستروس-كان، رئيس صندوق النقد الدولي، لكن بدل أن نراه على كرسي الرئاسة شاهدناه مكبل اليدين بعد فضيحة الاعتداء الجنسي على نفيستو ديالو في نيويورك. وفي عام 2017 ، كانت استطلاعات الرأي تمنح التقدم لليمين التقليدي، لكن مشاكل فرانسوا فيون مع القضاء فتحت المجال لمرشح آخر، خرج من العدم اسمه إيمانويل ماكرون.
لوبان قررت اللجوء إلى نقض الحكم، مما يعني أن المفاجآت القضائية لم تنته بعد. ومن أسوء السيناريوهات التي تنتظر زعيمة أقصى اليمين في حال ما ترشحت وفازت: أن تدخل إلى قصر الإليزيه بسوار إلكتروني!







