تشهد نيجيريا تصاعداً مقلقاً في وتيرة العنف المسلح، في مشهد تتداخل فيه العوامل الدينية مع صراعات إثنية مزمنة، وتنافس حاد على الأرض والموارد، وضعف بنيوي في مؤسسات الدولة. هذا التداخل المعقّد جعل البلاد واحدة من أكثر بؤر النزاع هشاشة في إفريقيا، وأعاد إلى الواجهة نقاشاً حاداً حول توصيف العنف الدائر: هل هو اضطهاد ديني ممنهج، أم صراع متعدد الأبعاد تُستَخدم فيه الهويات الدينية كأداة تعبئة وتبرير؟
في هذا السياق، تؤكد منظمات كنسية أن المسيحيين يتحملون العبء الأكبر من الهجمات الأخيرة، بينما يرفض قادة وممثلون عن جماعات إسلامية اختزال المشهد في بعد ديني، محذرين مما يصفونه بـ«التفسير الأحادي» للأحداث، ومتهمين بعض الجهات الكنسية بتسييس الأزمة أو المساهمة – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في تغذية العنف.
أرقام مثيرة للقلق
وفق قائمة المراقبة العالمية 2026 الصادر عن منظمة “أبواب مفتوحة”، قُتل 4,849 مسيحياً حول العالم بسبب معتقداتهم خلال الفترة من أكتوبر 2024 إلى سبتمبر 2025، 3,490 منهم في نيجيريا، أي ما يعادل نحو 72% من الإجمالي. وتشير المنظمة إلى أن هذا الرقم يمثل ارتفاعاً ملحوظًا مقارنة بالفترة السابقة، ما يضع نيجيريا في صدارة الدول الأكثر عنفاً ضد المسيحيين للعام الثامن على التوالي.
هذه الأرقام، رغم دلالتها الخطيرة، تظل محل نقاش بين الباحثين، نظراً لاعتماد جزء منها على مصادر كنسية وشهادات ميدانية، في ظل غياب إحصاءات حكومية شاملة وشفافة تغطي جميع أنماط العنف والضحايا.
هجمات متزامنة ومركبة
في منتصف نوفمبر الماضي، نجا القس صنداي أجوجو من هجوم استهدف كنيسة في ولاية كوارا غرب البلاد، بعد أقل من 20 ساعة على تلقيه نبأ مقتل زميل له في هجوم آخر على كنيسة بشرق نيجيريا. وأسفر الهجوم في كوارا عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة سبعة آخرين، في واقعة عكست اتساع رقعة الاستهداف الجغرافي.
تزامن ذلك مع إعلان السلطات النيجيرية اعتقال عدد من رجال الدين المسيحيين في لاغوس وجوس، على خلفية اتهامات بتمويل جماعات مسلحة أو تزويدها بالأسلحة. ولم تكشف الحكومة عن أرقام رسمية نهائية، لكنها أكدت أن التحقيقات “تشمل أطرافاً دينية متعددة”.
تواجه نيجيريا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 220 مليون نسمة (يشكل المسلمون قرابة 50% منهم، والمسيحيون نحو 45%، والبقية من غير المنتمين دينياً)، ضغوطاً أمنية متزامنة؛ إذ ينشط تنظيم “بوكو حرام” وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا “داعش” في الشمال الشرقي، بينما تنتشر عصابات الخطف وقطع الطرق في الشمال الغربي، وتتكرر هجمات الرعاة والمزارعين في الوسط، إلى جانب توترات انفصالية في الجنوب الشرقي.
منظمات مسيحية: استهداف ديني ممنهج
وفقاً لإليزابيث بوثا، المديرة التنفيذية لمنظمة “أبواب مفتوحة”، فإن “عمليات قتل المسيحيين بدوافع دينية في نيجيريا ارتفعت بشكل حاد خلال العام الماضي، في ظل تاريخ طويل من إحراق الكنائس واستهداف المدارس المسيحية”.
وتذهب منظمات محلية إلى تقديرات أعلى؛ إذ أفادت “الجمعية الدولية للحريات المدنية وسيادة القانون”، وهي منظمة غير حكومية نيجيرية، بأن أكثر من 52 ألف مسيحي قُتلوا ونحو 18 ألفاً اختُطفوا منذ عام 2009. وتشدد الجمعية على أن هذه الأرقام تقديرية وتعتمد على تجميع تقارير إعلامية وشهادات ميدانية، وليست إحصاءات حكومية رسمية، ما يفسر الفجوة بينها وبين أرقام منظمات دولية أخرى.
اتهامات مضادة ورفض “التفسير الأحادي”
يتهم البعض منظمات كنسية بمحاولة الترويج لتفسير أحادي يتجاهل الفرضيات والعوامل الأخرى. في هذا السياق، يرفض داوود ملاسا، رئيس “جماعة تعاون المسلمين” في نيجيريا، ربط العنف الجاري بالمسلمين، معتبراً أن “اختزال الأزمة في إطار ديني يضلل الرأي العام”.
يقول ملاسا لـ”غلوبال ووتش عربية”: “أظهرت اعتقالات نفذتها أجهزة الأمن بحق عناصر من جماعات مسلحة، أن بعضهم مسيحيون”، مضيفاً أن السلطات كشفت عن “معسكرات تدريب تابعة لجهات كنسية”، وهو ما أسفر – بحسب قوله – عن توقيف عدد من قادة الكنائس في لاغوس خلال الأشهر الأخيرة. ولم تصدر الكنائس المعنية ردوداً رسمية مفصلة على هذه الاتهامات حتى الآن.
كما انتقد ملاسا اعتماد بعض وسائل الإعلام على تقارير منظمات كنسية فقط، معتبراً أنها “تغفل الواقع الديمغرافي المعقد”، مشيراً إلى أن مدناً جنوبية عدة تضم نسباً مرتفعة من المسلمين، مثل لاغوس وإبادن وأوشوغبو. ودعا الحكومة إلى “نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة، وتفتيش المساجد والكنائس دون تمييز”.
خليط من العوامل: الدين ليس وحده
إن العنف في نيجيريا هو نتاج تداخل عوامل متعددة، أبرزها الفقر المزمن، وضعف مؤسسات الدولة، والصراعات الإثنية التاريخية على الأرض والموارد. ويعود بعض هذه التوترات إلى ما بعد الاستقلال عام 1960، لا سيما بين مجموعات كبرى مثل الهوسا في الشمال والإيبو في الجنوب الشرقي، إضافة إلى احتكاكات متكررة بين الهوسا واليوروبا في مناطق أخرى.
وفي هذا السياق، قال اللواء إتسي نداجي، رئيس العلاقات المدنية في الجيش النيجيري، إن ما يحدث في ولاية بلاتو “ليس صراعاً دينياً خالصاً، بل نزاع متكرر على الموارد بين المجتمعات الزراعية والرعوية”، واصفاً الوضع بـ”الحلقة المفرغة من العنف”.
يؤيد هذا التوصيف أيدولي فليكس، وهو قائد كنسي محلي، مؤكداً أن “كثيراً من الهجمات تنفذها عصابات إجرامية مختلطة دينياً، هدفها النهب والخطف”، مضيفاً: “في هذه الهجمات يُقتل أبرياء من المسلمين والمسيحيين معاً”.
ويشدد البروفيسور عبد المنعم همت، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، على أن دائرة العنف الحالية في نيجيريا تستهدف الجميع ولا تقتصر على مجموعة دينية محددة. ويوضح لـ “غلوبال ووتش عربية”، بأنه “في 2025 شهدت أجزاء من كبيرة من نيجيريا، تصاعداً في الهجمات على المسيحيين والكنائس، شملت مجازر أثناء العبادة وخطف وقتل وتشريد مدنيين. وبأن هذا العنف لم تكن مسوغاته دينية صرفة، بل جزءاً من تصاعد العنف السياسي والإرهابي، حيث تستغل جماعات مسلحة ضعف الدولة والصراعات المحلية للسيطرة وزعزعة الاستقرار”. ويضيف “الكنائس تُستهدف لرمزيتها وسهولة الوصول إليها، بينما يقع المسلمون والمدنيون الآخرون ضحايا أيضاً، وبالتالي يعكس الارتفاع في هذه الهجمات تداخلاً بين النزاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصراعات المسلحة، ويجب فهمه ضمن أزمة أوسع تشمل المدنيين كافة، لا مجرد اضطهاد ديني”.
بين الأرقام والسرديات
تكشف الأرقام، على اختلاف مصادرها، حقيقة واحدة، أن نيجيريا تمر بمرحلة عنف حاد وغير مسبوق. غير أن الخلاف لا يزال قائماً حول توصيف هذا العنف، بين من يراه اضطهاداً دينياً ممنهجاً، ومن يعدّه صراعاً مركباً تُستدعى فيه الهوية الدينية ضمن معركة أوسع على السلطة والموارد.
ووسط هذه السرديات المتعارضة، يظل المدنيون – من مختلف الأديان – الخاسر الأكبر. وآخر ما شهدناه مطلع عام 2026، هجمات دامية على كنائس في ولاية كادونا، أسفرت عن اختطاف أكثر من 160 شخصاً، وفق تقرير لـ رويترز، في مؤشر إضافي على أن دوامة العنف ما زالت بعيدة عن الاحتواء.















