عاد ملف نساء “داعش” في سوريا إلى واجهة الاهتمام أخيراً، بعد بدء عمليات نقل المعتقلين من شمال شرق سوريا إلى العراق، في خطوة تمثل مرحلة جديدة في إدارة إرث التنظيم. وشملت عمليات النقل نساءً وأطفالاً مرتبطين به، وتهدف إلى تأمين المعتقلين في مرافق منظمة، وتقليل أي فراغ أمني محتمل بعد انسحاب القوات المحلية من المخيمات التي كانت تحت سيطرتها.
يعكس هذا التطور حجم التحديات الأمنية والسياسية المتزايدة، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار صعب في كيفية التعامل مع النساء اللواتي عشن تحت سلطة التنظيم سنوات عدة.
تأتي هذه الخطوة في وقت لا يزال فيه ملف نساء التنظيم يمثل معضلة متعددة الأبعاد: من جهة هناك المخاطر الأمنية المباشرة المرتبطة بأيديولوجية التنظيم، ومن جهة أخرى القضايا الإنسانية والقانونية المتعلقة بالنساء والأطفال الذين تربوا في بيئة التطرف. ويبرز السؤال المركزي: كيف يمكن إعادة هؤلاء النساء والأطفال إلى المجتمع بطريقة تضمن السلامة والأمن، وتوفر في الوقت نفسه فرصاً لإعادة التأهيل والاندماج؟
المخيمات وخطر النفوذ المستمر
يُعد مخيم الهول أكبر مركز احتجاز لعوائل تنظيم “داعش”، ويضم أكثر من 40 ألف نزيل، أغلبهم نساء وأطفال. لكنه ليس الوحيد، فهناك مخيمات أصغر ومواقع احتجاز أخرى، تتوزع على مناطق شمال شرق سوريا، حيث يتم احتجاز نساء من جنسيات مختلفة غالباً مع أطفالهن، وسط ظروف أمنية صعبة ومراقبة محدودة.
النساء يختلفن في درجة تورطهن بالتنظيم؛ بعضهن شاركن مباشرة في النشاط التنظيمي، والبعض الآخر جاء مع أزواجهن أو انخرطن في الشبكات الاجتماعية للتنظيم. داخل المخيمات، لا تزال بعض النساء تمارس سلطة على الأخريات، تفرض قواعد صارمة أو تشارك في معاقبة من يرفض الفكر التنظيمي، ما يعكس استمرار الأيديولوجيا المتطرفة في تشكيل سلوك النساء داخل المخيمات.
النساء اللواتي يعشن خارج المخيمات يواجهن واقعاً مختلفاً، لا يقل تعقيداً. ففي المناطق الريفية والحضرية التي يسيطر عليها تنظيمات محلية أو شبكات مرتبطة سابقاً بتنظيم “داعش”، يمكن للنساء الحفاظ على صلات مع هذه الشبكات، ما يجعل المراقبة الحكومية أو الدولية شبه مستحيلة، ويطرح تهديداً أمنياً طويل الأمد خارج نطاق المخيمات.
النقل إلى العراق: مرحلة جديدة
يشكل النقل إلى العراق تطوراً مفصلياً في إدارة ملف النساء المرتبطات بالتنظيم. وبدأت عمليات النقل بدفعات، شملت نساءً وأطفالاً تم احتجازهم في مخيمات شمال شرق سوريا. الهدف الأساسي من النقل هو ضمان الأمن وإعادة تنظيم عملية الاحتجاز في مرافق عراقية تحت رقابة صارمة، وتقليل أي فراغ أمني قد ينشأ نتيجة انسحاب القوات المحلية أو تغييرات السيطرة على المخيمات.
هذا النقل يفتح الباب أمام طرح تساؤلات مهمة حول الجوانب القانونية والإنسانية: هل سيتم التعامل مع المعتقلات وفق برامج إعادة تأهيل صارمة؟ هل ستخضع النساء لمحاكمات قانونية عادلة أم أن التركيز سيكون على برامج مراقبة وإعادة تأهيل؟ كما يسلط النقل الضوء على التحديات الدولية، إذ يحتاج الملف إلى تنسيق بين الدول لإعادة مواطنيها المحتجزين ومراقبتهم بعد نقلهم إلى العراق.
إلى جانب النقل، بدأت بعض الدول خطوات محدودة لإعادة النساء والأطفال إلى أوطانهم ضمن برامج مراقبة وإعادة تأهيل، وهو ما يمثل تحولاً عملياً في سياسات مترددة منذ بداية الأزمة، ويشير إلى أهمية الموازنة بين الأمن والعدالة الإنسانية.
التحديات الأمنية والسياسية
الوضع الأمني في المخيمات وخارجها يجعل أي نقاش حول إعادة النساء إلى أوطانهن حساساً للغاية. هناك مخاطر واضحة من استمرار النفوذ الأيديولوجي داخل المخيمات، أو في المجتمعات التي قد تعود إليها بعض النساء. أي تغيير في السيطرة على المناطق السورية أو تحولات سياسية أو هجمات متفرقة قد يؤدي إلى هروب مجموعات نسائية وأطفال من المخيمات والمناطق الخاضعة للرقابة، ما يشكل تهديداً إضافياً للأمن المحلي والدولي.
السياسات الوطنية تجاه النساء المرتبطات بالتنظيم تتفاوت بشكل كبير. معظم الدول لم تتخذ قرارات واضحة لإعادة النساء المحتجزات، خوفاً من المخاطر الأمنية والضغط الشعبي والسياسي، وغياب أطر قانونية متكاملة لإعادة التأهيل والمراقبة بعد العودة. في المقابل، بدأت بعض الدول، بما فيها العراق ودول أوروبية محددة، خطوات لإعادة نساء وأطفال من المخيمات إلى مجتمعات محلية ضمن برامج مراقبة وتأهيل، على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه دمج هؤلاء النساء في المجتمع بعد سنوات من العزلة والتأثر بالفكر المتطرف.
الأبعاد الاجتماعية والقانونية
النساء والأطفال في المخيمات ليسوا قضية أمنية فقط، بل يمثلون تحدياً قانونياً واجتماعياً معقداً. الأطفال، الذين غالباً ما يكونون دون سن 12 عاماً، نشأوا في بيئة التطرف أو في ظروف قاسية داخل المخيمات، بعيداً عن أي تعليم أو بيئة مستقرة. إعادة دمجهم في المجتمع تتطلب برامج نفسية وتعليمية ومجتمعية شاملة لضمان عدم إعادة إنتاج التطرف.
على الصعيد القانوني، يظل السؤال: هل تتم محاكمة النساء اللواتي شاركن في أنشطة التنظيم، أم يتم إعادة التأهيل مع مراقبة مستمرة؟ غياب سياسة موحدة على المستوى الدولي يجعل مصير هؤلاء النساء والأطفال غامضاً، ويهدد بخلق أجيال جديدة من السكان المعزولين والمعرضين للتطرف.
سيناريوهات المستقبل
يمكن تلخيص الخيارات المحتملة لمستقبل نساء “داعش” في سوريا والعراق في ثلاثة مسارات رئيسية:
- العودة والاندماج المشروط: إعادة النساء مع برامج مراقبة صارمة وتأهيل نفسي واجتماعي شامل، بهدف تفكيك أي ولاء أيديولوجي متبقٍ وضمان اندماج آمن في المجتمع.
- الاحتجاز المستمر: إبقاء النساء في المخيمات أو مرافق دولية، هو حل مؤقت محفوف بالمخاطر الإنسانية والسياسية، قد يؤدي إلى استمرار الولاءات التنظيمية داخل المخيمات.
- النقل إلى مراكز إعادة التأهيل: نقل بعض الفئات إلى مرافق تحت إشراف هيئات دولية متعددة، لكنه خيار محدود التطبيق بسبب النقص في التمويل والسياسات الدولية المتباينة.
كل خيار يحمل تحديات كبيرة على مستوى الأمن والمجتمع، ويثير تساؤلات حول قدرة الدول على إدارة إرث التنظيم النسائي بشكل فعال وطويل الأمد.
اختبار عالمي للأمن والاستقرار
أصبح ملف نساء “داعش” في سوريا والعراق اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على مواجهة إرث التنظيمات المتطرفة النسائية بواقعية وموضوعية. القرار ليس مجرد إعادة أو إبقاء، بل يتعلق بوضع إطار دولي متكامل لإعادة التأهيل والمساءلة والاندماج، يوازن بين حماية المجتمع والأمن، ومنع تكرار التطرف على أجيال قادمة.
في حال فشل الدول في وضع استراتيجية واضحة، سيظل الوضع في المخيمات والمناطق التي تتواجد فيها النساء مصدراً مستمراً للتطرف والتهديد طويل الأمد، تاركاً آلاف النساء والأطفال في ضبابية مستمرة، مع آثار تمتد لسنوات على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. عمليات النقل الأخيرة إلى العراق وبدء إعادة بعض النساء والأطفال إلى أوطانهم تمثل بداية لمرحلة جديدة، لكنها تتطلب إرادة دولية مشتركة وبرامج مراقبة وتأهيل صارمة لضمان أن إرث التنظيم لا يستمر.















