تفتح رواية “نزيف الرمانة” للأكاديمية والروائية جيجيقة براهيمي، الفائزة بجائزة رئيس الجمهورية “علي معاشي”، واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع الجزائري المعاصر؛ فهي لا تستعيد مرحلة عصيبة من تاريخ البلاد بوصفها ذاكرة مغلقة، بل تقارب العلاقة بين التطرف الديني والهشاشة الاجتماعية والتحولات الثقافية التي مسّت فئات واسعة من المجتمع خلال العقود الأخيرة.
من العنوان، تنفتح الرواية على فضاء رمزي كثيف الدلالات. الرمانة، بما تحمله من حمولة تاريخية مرتبطة بغرناطة الأندلسية، تتحول إلى استعارة للإنسان المهدد بفقدان جوهره تحت ضغط العنف والإقصاء والاقتلاع. أما “النزيف” فيحيل إلى الجرح المفتوح الذي يطال الفرد والمجتمع معاً، حين تتحول العقائد إلى أدوات للصراع بدل أن تكون فضاءات للمعنى والطمأنينة.
في تصريحها لـ “غلوبال ووتش عربية”، تلفت جيجيقة براهيمي إلى أن أحداث الرّواية “تتحرّك عبر مستويات عدّة، في تأطير لأهم التفاصيل من خلال التسييج النّظري الذي يجعل هدفها الجوهري يرفد إلى رصد ظاهرة الإرهاب الدّيني؛ ومدى تأصيله للرّؤى التدميرية واستثارته للنّوازع التخريبية”. كما أن “فأس الدين” و “القس يوحنا”، وهي من شخصيات الرواية، تعد بمثابة التمثلات الجلية لأقطاب التدمير التي تنتقل في مدٍّ تصاعدي من التعصب نحو الإرهاب.
لا تتعامل الرواية مع الإرهاب بوصفه حدثًا أمنيًا أو سياسيًا فحسب، بل كبنية فكرية قادرة على إعادة تشكيل الوعي وتدمير الإنسان من الداخل. ومن خلال شخصية “فأس الدين”، تقدم الكاتبة صورة رمزية للخطاب المتشدد الذي يستبدل التفكير بالتكفير، ويحول الدين من رسالة أخلاقية إلى أداة للعنف والإقصاء.
في المقابل، لا تكتفي الرواية بانتقاد التطرف التكفيري، بل تفتح أيضًا ملف التنصير عبر شخصية القس يوحنا، لتكشف كيف يمكن أن تتحول الهشاشة الاجتماعية والفقر والخوف إلى منافذ لاختراق الهوية الروحية للأفراد.
بين التكفير والتنصير
تبرز أهمية الرواية في كونها لا تقدم ظاهرتي التنصير والإرهاب بوصفهما عالمين منفصلين أو متناقضين، بل تكشف أوجه التشابه بينهما من حيث السعي إلى الهيمنة على الإنسان ومصادرة حريته الداخلية. فكل من “فأس الدين” و”القس يوحنا” يتحركان داخل الرواية كوجهين لسلطة أيديولوجية تبحث عن إخضاع الفرد وإعادة تشكيله وفق تصوراتها الخاصة.
يتجسد هذا الصراع بوضوح في شخصية الطفل إسماعيل، التي تمثل القلب النابض للرواية. فالصبي الذي يجد نفسه ممزقًا بين خطابين متصارعين، يتحول إلى صورة رمزية لجيل كامل وجد نفسه ضحية ظروف تاريخية واجتماعية أكبر منه. ومن خلال مساره، تطرح الرواية أسئلة عميقة حول الهوية والانتماء والإيمان والاختيار الحر، وحول الحدود الفاصلة بين القناعة والإكراه.
بالنسبة للروائية، فإن أسلوب “فأس الدين” في العمل على التأصيل للعنف الديني يتقاطع أفقيًا مع مهمّة “القس يوحنا”. حيث يكون الطّفل إسماعيل ضحيّتهما؛ إذ يُدفع إلى اعتناق المسيحية ويغير اسمه إلى سلفادور. وهذا بسبب الظروف الاجتماعية القهرية من جهة، وبسبب الرّعب الذي يعتريه من الخطابات المؤسّسة للإرهاب من جهة أخرى.
إن حياة الطفل إسماعيل مثلما تضيف الكاتبة: “انشطرت بين خطابي التكفير والتنصير. كان القلق بمثابة ذخيرة حيوية تنسف فيه كلّ الفرص للخلاص الرّوحي. عاش مع القس يوحنا المعنى الحقيقي لمقولة لافيجري: الخبز مقابل الصليب”.
نص مُشرّع
نجحت الرواية في الربط بين محطات تاريخية متباعدة ظاهريًا، من الأندلس إلى العشرية السوداء في الجزائر، مرورًا بالتحولات التي عرفها العالم العربي خلال العقد الأول من الألفية الجديدة. غير أن هذه العودة إلى التاريخ لم تكن عبر أبواب الحنين أو التوثيق، وإنما من خلال البحث عن جذور الأزمات الراهنة، وفهم الكيفية التي تستمر بها بعض الصراعات القديمة في إنتاج نفسها بأشكال جديدة.
في النهاية، تبدو “نزيف الرمانة” أكثر من رواية عن الإرهاب أو التنصير. إنها نص يشتبك مع أسئلة الهوية والحرية والذاكرة، ويقترح قراءة نقدية لمرحلة من أكثر مراحل التاريخ الجزائري والعربي التباسًا. ومن هنا تنبع أهميتها، ليس فقط كعمل أدبي متوّج بجائزة رئيس الجمهورية علي معاشي، وإنما أيضًا كنص يفتح باب النقاش حول قضايا لا تزال تلقي بظلالها على الواقع إلى اليوم.















