بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إرهاب عابر للحدود

مونديال 2026 تحت الحراسة المشددة.. الولايات المتحدة تستنفر لمواجهة الإرهاب والمسيّرات والتهديدات السيبرانية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تُسرّع الولايات المتحدة وتيرة استعداداتها الأمنية مع اقتراب انطلاق مونديال كأس العالم 2026، في مواجهة ما يوصف بأحد أكثر التحديات تعقيداً في تاريخ الأحداث الرياضية العالمية. فالبطولة، التي تستضيفها بالشراكة مع كندا والمكسيك، لا تمثل مجرّد عرس كروي يستقطب ملايين المشجعين من مختلف أنحاء العالم، بل تشكل أيضاً اختباراً أمنياً واسع النطاق تتقاطع فيه تهديدات الإرهاب العابر للحدود مع المخاطر السيبرانية والتطور المتسارع في استخدام الطائرات المسيّرة.

في ظل بيئة دولية مضطربة واستمرار نشاط التنظيمات المتطرفة على المنصات الرقمية، تتحول المدن المستضيفة إلى ساحات استنفار أمني مفتوحة، حيث تعمل أجهزة الاستخبارات ووزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي على تنفيذ خطط حماية متعددة المستويات لمنع أي محاولة لاستهداف البطولة أو استغلالها لتحقيق مكاسب دعائية أو سياسية. 

وبين المخاوف من هجمات “الذئاب المنفردة” واحتمالات استخدام المسيّرات في أعمال تخريبية، تجد واشنطن نفسها أمام مهمة لا تقتصر على تأمين الملاعب والجماهير فحسب، بل تمتد إلى حماية صورة الولايات المتحدة وقدرتها على إدارة أكبر تجمع رياضي عالمي في بيئة أمنية تزداد تعقيداً عاماً بعد عام.

هواجس الإرهاب العابر للحدود

تتصدر التهديدات الإرهابية قائمة الهواجس الأمنية المرتبطة بالمونديال، خصوصاً في ظل استمرار النشاط الدعائي للتنظيمات المتطرفة على الإنترنت، وسعيها لاستغلال الأحداث العالمية الكبرى لتحقيق تأثير إعلامي واسع. وتصنف الأجهزة الأمنية الأمريكية التجمعات الجماهيرية الضخمة المرتبطة بكأس العالم باعتبارها أهدافاً جذابة للتنظيمات الإرهابية التي تسعى إلى إحداث صدمة عالمية بأقل الإمكانات الممكنة.

في هذا الصدد، يمثل تنظيم “داعش”، ولا سيما فرعه المعروف باسم “ولاية خراسان”، مصدر قلق رئيسي لأجهزة الاستخبارات الغربية، إذ أثبت هذا الفرع خلال السنوات الأخيرة قدرة متزايدة على تنفيذ أو تحفيز عمليات خارج مناطق نشاطه التقليدية، كما نجح في توسيع حضوره الدعائي عبر المنصات الرقمية والتطبيقات المشفرة. ويخشى المسؤولون الأمنيون من أن يستغل التنظيم الزخم الإعلامي للمونديال لتحفيز أفراد متعاطفين معه أو دفع عناصر متطرفة إلى تنفيذ هجمات فردية داخل الولايات المتحدة.

كما لا يزال تنظيم “القاعدة” حاضراً ضمن الحسابات الأمنية على الرغم من تراجع قدراته مقارنة بالعقدين الماضيين، فالأجهزة الأمريكية لا تستبعد إمكانية استغلال جماعات أو أفراد مرتبطين بأفكاره للبطولة كمنصة رمزية لتنفيذ أعمال عنف أو التخطيط لعمليات محدودة التأثير العسكري لكنها كبيرة الأثر الإعلامي.

إلى جانب ذلك، تزداد المخاوف من ما يعرف بـ”الذئاب المنفردة”، أي الأفراد الذين يتبنون أفكاراً متطرفة عبر الإنترنت من دون ارتباط تنظيمي مباشر. ويُنظر إلى هذا النوع من التهديدات بوصفه الأكثر تعقيداً، بسبب صعوبة اكتشافه مسبقاً، واعتماده غالباً على وسائل بسيطة ومتاحة لا تثير الشبهات.

المسيّرات تفرض معادلات جديدة

إذا كانت الهجمات الإرهابية التقليدية تمثل التهديد التاريخي للأحداث الرياضية الكبرى، فإن الطائرات المسيّرة أصبحت التحدي الأمني الأكثر تطوراً في مونديال 2026. فالتقدم السريع في تقنيات الدرونز وسهولة الحصول عليها وتحويلها إلى أدوات هجومية دفع الأجهزة الأمريكية إلى وضع هذا الملف في صدارة أولوياتها.

وتخشى السلطات من إمكانية استخدام طائرات مسيّرة تجارية معدلة لتنفيذ عمليات تخريبية أو لإلقاء مواد خطرة فوق الملاعب أو مناطق تجمع الجماهير. كما أن مجرّد ظهور طائرة مجهولة في المجال الجوي المحيط بالمباريات قد يؤدي إلى تعطيل المنافسات وإثارة الذعر بين عشرات الآلاف من المشجعين.

ولمواجهة هذه التهديدات، فرضت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية مناطق حظر جوي خاصة بالطائرات المسيّرة فوق الملاعب ومرافق البطولة ومحيطها. كما تم تعزيز منظومات الرصد والكشف المبكر واعتراض الأهداف الجوية غير المصرح بها، إلى جانب نشر فرق متخصصة قادرة على التعامل السريع مع أي اختراق محتمل للمجال الجوي.

ولا تقتصر المخاوف على الهجمات المادية فقط، بل تشمل أيضاً إمكانية استخدام المسيّرات لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات أو تعطيل الأنظمة التقنية المرتبطة بإدارة الحشود وحركة النقل. ويصف خبراء الأمن هذه المواجهة بأنها “حرب تكنولوجية صامتة”، تتنافس فيها قدرات الكشف والتعقب والحماية مع وسائل متطورة يمكن أن تستخدمها جهات معادية أو أفراد متطرفون لتحقيق أهداف دعائية أو أمنية.

شبكة تعاون دولية

لا تقتصر الاستعدادات الأمنية على الداخل الأمريكي فقط، بل تمتد إلى شبكة واسعة من التعاون الدولي. إذ يتطلب تنظيم بطولة بهذا الحجم تنسيقاً مستمراً بين أجهزة أمنية واستخباراتية من عشرات الدول المشاركة، إضافة إلى التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك باعتبارها الدول المستضيفة.

وتشمل هذه الجهود تبادل المعلومات حول الأشخاص المشتبه بهم، ومراقبة التحركات العابرة للحدود، وتعزيز قدرات الرصد السيبراني، فضلاً عن تطوير آليات مشتركة للاستجابة السريعة في حالات الطوارئ. كما يتم الاستفادة من الخبرات المتراكمة التي اكتسبتها الدول خلال تأمين بطولات كبرى سابقة، مثل كأس العالم والألعاب الأولمبية والبطولات القارية.

على الأرض، تعتمد الخطة الأمنية على مبدأ “الحماية متعددة الطبقات”، حيث تبدأ إجراءات الرقابة والتفتيش على مسافات بعيدة من الملاعب، قبل المرور عبر عدة حلقات أمنية متتالية وصولاً إلى نقاط الدخول الرئيسية. كما تخضع البعثات الرياضية والوفود الرسمية ومراكز الإعلام والنقل إلى تدابير أمنية مشددة تهدف إلى تقليل المخاطر المحتملة إلى أدنى مستوى ممكن.

ويحظى الأمن السيبراني بمكانة متقدمة ضمن هذه المنظومة، في ظل المخاوف من تعرض شبكات الاتصالات وأنظمة التذاكر والبنية الرقمية للبطولة لهجمات إلكترونية قد تستهدف تعطيل الخدمات أو تسريب البيانات أو إرباك العمليات التشغيلية. ولهذا تعمل المؤسسات الأمريكية على دمج القدرات الاستخباراتية والتقنية ضمن غرفة عمليات موحدة تتيح الاستجابة السريعة لأي تهديد محتمل.

الأمن في مواجهة الحريات

على الرغم من الإجماع على ضرورة توفير أعلى مستويات الحماية خلال البطولة، فإن حجم الإجراءات الأمنية المطروحة يثير نقاشاً متزايداً داخل الولايات المتحدة حول حدود التوازن بين الأمن والحريات المدنية.

التوسع في استخدام تقنيات المراقبة الرقمية وتحليل البيانات ورصد الأنشطة الإلكترونية يثير مخاوف منظمات حقوقية ترى أن بعض التدابير الاستثنائية قد تتحول إلى ممارسات دائمة تتجاوز الهدف الأمني المباشر. كما يثير الانتشار الكثيف لعناصر إنفاذ القانون تساؤلات حول كيفية الحفاظ على أجواء البطولة المفتوحة والاحتفالية من دون تحويلها إلى مساحة أمنية مغلقة.

وتدرك السلطات الأمريكية أن نجاح خطتها الأمنية لا يقتصر على منع الهجمات فحسب، بل يشمل أيضاً المحافظة على تجربة مميزة للمشجعين والزوار. وتدرك أيضاً أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق المعادلة الصعبة بين الحماية الصارمة والانفتاح الجماهيري، خصوصاً في حدث رياضي يقوم أساساً على التفاعل الإنساني والاحتفال الثقافي العالمي.

مع اقتراب صافرة البداية، تبدو الولايات المتحدة أمام واحدة من أكبر العمليات الأمنية التي شهدتها في تاريخها الحديث. وبين تهديدات “داعش” و”ولاية خراسان” و”القاعدة”، ومخاطر المسيّرات، والتحديات السيبرانية، والضغوط المرتبطة بالحريات العامة، يتحول مونديال 2026 إلى اختبار عالمي لقدرة المؤسسات الأمنية على حماية حدث كوني من دون أن تفقده روحه الرياضية والإنسانية التي جعلت من كأس العالم مناسبة تجمع شعوب الأرض حول شغف واحد.