جمال بدومة
جمال بدومة

مقالات مشابهة

فرنسا

من يخلف إيمانويل ماكرون؟ سباق المصالح والنرجسيات يُعبّد الطريق أمام المرشحين المتطرّفين!

جمال بدومة
جمال بدومة

‎هل يصل المتطرفون إلى سدة الحكم في فرنسا؟ على بعد أقلّ من عام على الانتخابات الرئاسية، تهيمن قوى أقصى اليمين وأقصى اليسار على المشهد السياسي، بينما يعيش اليمين التقليدي واليسار الاشتراكي والوسط تشرذماً غير مسبوق، ينذر بتفريخ عدد قياسيّ من المرشحين، وتشتيت الأصوات، كما حدث في رئاسيات 2002، التي عرفت وصول مرشح اليمين المتطرف جان-ماري لوبان إلى الدورة الثانية، لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة، على حساب الزعيم الاشتراكي ورئيس الحكومة وقتها ليونال جوسبان!

على أقصى اليسار، يبدو مرشح “فرنسا الأبية” واثقاً من خطواته وبرنامجه وحظوظه. آلته الانتخابية جاهزة. في السابع من الشهر الجاري، جمع جان-لوك ميلونشون 26 ألف شخص في ضاحية ساندوني، بمناسبة إطلاق حملته الانتخابية. اختيار “مدينة الملوك الموتى والشعب الحي” – كما يحبّون تسمية ساندوني استلهاماً من عبارة شهيرة لفيكتور هوغو – لم يكن اعتباطياً، بل لأن “فرنسا الأبية” حقّق نصراً ساحقاً في المدينة إبّان الانتخابات البلدية الأخيرة. عمدتها ذو الأصول المالية، بالي باغايوكو، حسم السباق من الدورة الأولى، وسكانها ينحدرون أساساً من أصول عربية وأفريقية، القاعدة الانتخابية لحزب  ميلونشون.

أما أقصى اليمين، فتمنحه استطلاعات الرأي حظوظاً وافرة للفوز برئاسيات مايو/أيار 2027. المشكلة التي تواجه “التجمع الوطني” أنه لا يعرف من سيمثله في الاقتراع، بين مارين لوبان وجوردان بارديلا. لوبان تطمع في الترشح مرة أخرى لقصر الإليزيه، على أمل أن تكون “الثالثة ثابتة”، لكن مصيرها مُعلّق بيد القضاء. نجلة الزعيم التاريخي لليمين المتطرّف الفرنسي، تواجه تهماً باختلاس أموال أوروبية، عندما كانت نائبة في برلمان ستراسبورغ. الشهر المقبل، تبتُّ المحكمة في مستقبلها السياسي. إذا تأكد الحكم الابتدائي، ستفقد لوبان أهلية الترشح، مما سيفتح الباب على مصراعيه أمام رئيس الحزب جوردان بارديلا كي يخوض الاستحقاق مكانها، رغم حداثة سنه وضعف تجربته. لكن أيّاً كان مرشح “التجمع الوطني”، فإن استطلاعات الرأي تمنحه فوزاً عريضاً أمام كل منافسيه.

في معسكر اليمين التقليدي، يخيّم الانقسام، والحسابات الصغيرة، والضربات تحت الحزام. رغم أن “الجمهوريون” اختاروا رسمياً وزير الداخلية السابق برونو روتايو مرشحاً لحزبهم، فإنه لا يحقّق الإجماع. ومن غير المستبعد أن يجد نفسه محاصراً بمنافسين من معسكره، في مقدمتهم غريمه لوران فوكييه، ورئيس جهة “هو دوفرانس” غزافييه بيرتران وعمدة مدينة كان دافيد ليسنارد. كما أن وجود مرشحين يمينيين من خارج الحزب، يُعقّد مهمة روتايّو، مثل نيكولا دوبون-أونيون (فرنسا انهضي) وفرانسوا أسولينو (الإتحاد الشعبي الجمهوري) وفلوريون فيليبو (الوطنيون) ناهيك عن رئيس الوزراء الأسبق دومينيك دوفيلبان (فرنسا الإنسانية) وإيريك زمور، زعيم حزب “استرداد”، المعادي للمهاجرين، الذي يرفع شعار توحيد اليمين بكلّ أطيافه. إذا ركب هؤلاء المنافسون رؤوسهم، ولم يتخلوا عن الترشح، لن يكون حظ روتايو أفضل من فاليري بيكريس مرشحة “الجمهوريون” في رئاسيات 2022، التي لم تتجاوز 4.7% من الأصوات!

يساراً، يبدو المشهد أشبه بنسخة رديئة من رئاسيات 2002، التي انتهت بإقصاء ليونال جوسبان. قائمة المرشحين طويلة جداً، من رافييل غلوكسمان إلى مارين توندولييه مروراً بكليمونتين أوتان وفرانسوا روفان، وصولاً إلى الاشتراكيين غيوم غيدج وكريم بوعمران وموريس فالو وأوليفييه فور وبيرنار كازنوف وفرانسوا هولاند والشيوعي فابيان روسيل… بعضهم أعلن ترشحه والبعض “يُهدّد” بذلك!

معكسر الوسط ليس أفضل حالاً. ورثة إيمانويل ماكرون لم يستطيعوا الاصطفاف خلف مرشح واحد. رئيسا الوزراء السابقان إدوار فيليب وبرونو أتال أعلنا ترشحهما، ويستعدّان لإطلاق حملتهما الانتخابية، كما لا يُستبعد ترشح رئيس وزراء ثالث هو جان كاستيكس، وفي خلفية المشهد يقف رئيس وزراء رابع، هو فرانسوا بايرو، الذي تعوّد على خوض كل المنافسات الرئاسية منذ ربع قرن. في انتظار قرار مماثل من رئيسة الوزراء الخامسة، إليزابيث بورن، كي تكتمل المهزلة!

أما وزير العدل جيرالد دارمانان، فيتحيّن الفرصة المواتية للانضمام إلى السباق، كما لوّحت رئيسة البرلمان يائيل برون-بيفيه باحتمال الترشح، مثل الوزيرة المكلفة بالمساواة أورور بيرجيه… طبعاً، ليس وهم الفوز ما يحرّك كلّ المتنافسين، الترشح لدى البعض مجرد مناورة للحصول على موقع في خرائط المستقبل، منصب وزاري أو دبلوماسي أو وظيفة سامية.

في المحصّلة، أكثر من ثلاثين شخصية تنوي الترشح في رئاسيات 2027، وهو رقم قياسي يفوق بكثير ما سجلته الاستحقاقات السابقة. كثرة المرشحين لا تدلّ على حيوية الديمقراطية الفرنسية بقدر ما تعكس حالة التشتت التي تعصف بالأحزاب التقليدية، بعدما انتقل الصراع داخلها من التنافس حول الأفكار والبرامج إلى التنازع على المصالح والمواقع والمناصب. 

نحن بعيدون عن الزمن الذي كان فيه “الانضباط” جزءاَ من الالتزام السياسي. عام 1974، بعد وفاة الرئيس جورج بومبيدو، تنازل رئيس وزرائه بيار ميسمير عن الترشح لفائدة جاك شابان-دلماس، بالرغم من منصبه وشعبيته. لقد تغيرت السياسة كثيراً في فرنسا. تحولت إلى سباق مصالح وصراع نرجسيات، بينما تراجع فيها وزن المبادئ والأخلاق. لا غرابة أن يصبح الطريق معبّداً أمام الإيديولوجيات المتطرفة. القوى الأكثر تماسكاً تتمركز اليوم في أقصى اليمين وأقصى اليسار، حيث يقدّم كل من “التجمع الوطني” و”فرنسا الأبية” عرضاً سياسياً أكثر وضوحاً من بقية الأحزاب التقليدية.

ولا شكّ أن الطريقة التي صعد بها إيمانويل ماكرون إلى قمة السلطة عام 2017، من خارج المنظومة السياسية، وجّهت ضربة قاتلة لأحزاب اليمين واليسار، على حد سواء، وجعلت من “هبّ ودبّ” يتخيّل نفسه في قصر الإليزيه!