تسعى بغداد إلى إعادة تثبيت موقعها في معادلة إقليمية معقّدة، بعدما أصبح العراق خلال العقدين الماضيين نقطة تقاطع لمصالح دولية وإقليمية متنافسة. وتأتي زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى طهران بعد واشنطن مباشرة في لحظة فارقة، تعكس محاولة عراقية للانتقال من سياسة إدارة التوازنات المفروضة إلى بناء سياسة خارجية أكثر استقلالية تقوم على المصالح الوطنية.
لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن طبيعة موقع العراق الجغرافي والسياسي. فالدولة التي تقع بين إيران وتركيا ودول الخليج، وترتبط بعلاقة استراتيجية طويلة مع الولايات المتحدة، تجد نفسها أمام معادلة تتطلب الحفاظ على علاقات متعددة الاتجاهات، من دون السماح لأي طرف بتحويل هذه العلاقات إلى نفوذ يطغى على القرار العراقي.
إرث العلاقات المتشابكة
تشكلت العلاقة بين العراق وإيران عبر مسار طويل من التداخلات السياسية والأمنية والاقتصادية، فالجوار الجغرافي، والتبادل التجاري، والروابط الاجتماعية والدينية، جعلت طهران لاعباً مهماً في المشهد العراقي منذ العام 2003.
وخلال الحرب على “داعش”، برز دور فصائل عراقية مسلحة ضمن منظومة “الحشد الشعبي” في مواجهة التنظيم، وهو ما منح هذه القوى وزناً أمنياً وسياسياً داخل العراق. ومع انتهاء مرحلة الحرب المفتوحة ضد “داعش”، انتقل النقاش إلى كيفية تنظيم العلاقة بين الدولة وهذه القوى، بما يضمن وحدة القرار الأمني ويحافظ في الوقت نفسه على خصوصية الظروف التي نشأت خلالها تلك التشكيلات.
كما بقيت إيران شريكاً اقتصادياً مهماً للعراق، خصوصاً في مجالات الطاقة والتجارة. إذ اعتمد العراق لفترات على الغاز والكهرباء الإيرانيين لتلبية جزء من احتياجاته، ما جعل العلاقة بين البلدين مرتبطة بحسابات اقتصادية وسياسية متداخلة.
لكن هذا التشابك لم يمنع ظهور نقاش عراقي داخلي حول حدود النفوذ الخارجي، سواء كان مصدره إيران أو أي قوة دولية أخرى، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على استقلال قرارها.
أبعاد النفوذ المختلفة
لا يقتصر تأثير القوى الإقليمية والدولية في العراق على الجانب الرسمي، بل يرتبط أيضاً بشبكات سياسية واقتصادية واجتماعية تشكلت عبر سنوات طويلة. إيران تمتلك أدوات تأثير ناتجة عن القرب الجغرافي والعلاقات التاريخية، إضافة إلى علاقاتها مع قوى سياسية وفصائل مسلحة عراقية تتقاطع معها في بعض الرؤى الاستراتيجية الإقليمية.
في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة أدوات تأثير مختلفة تقوم على الشراكة الأمنية، والعلاقات الاقتصادية، والتعاون في مجالات التدريب والتكنولوجيا والطاقة.
هنا تكمن صعوبة المعادلة العراقية؛ فالتحدي لا يتمثل في وجود علاقات مع أطراف خارجية، بل في كيفية إدارة هذه العلاقات بحيث لا تتحول إلى بدائل عن مؤسسات الدولة أو تؤثر على استقلال القرار الوطني.
رسائل زيارة واشنطن وطهران
جاءت زيارة الزيدي إلى واشنطن في إطار محاولة لتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز الجانب الأمني التقليدي. العراق يسعى إلى جذب الاستثمارات، وتطوير قطاع الطاقة، والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا، إضافة إلى الحفاظ على التعاون الأمني في مواجهة التحديات التي لا تزال قائمة.
وفي عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحمل هذه العلاقة حسابات خاصة مرتبطة برؤية واشنطن لمصالحها في المنطقة، كما تحمل بالنسبة لبغداد فرصة للحصول على دعم دولي في مشاريع التنمية وتعزيز قدراتها المؤسساتية. لكن الانفتاح على واشنطن لا يعني بالضرورة انتقال العراق إلى سياسة مواجهة مع إيران، بل يعكس محاولة لتوسيع هامش الخيارات العراقية وعدم الاعتماد على مسار واحد.
زيارة الزيدي طهران بعد واشنطن تحمل رسالة مفادها أن بغداد تريد الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف المؤثرة، وأن التعاون مع طرف لا يعني الدخول في خصومة مع طرف آخر. فالعراق لا يستطيع تجاهل أهمية العلاقة مع إيران بحكم الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى تثبيت مبدأ أن القرارات المتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية يجب أن تصدر عن مؤسسات الدولة العراقية.
ومن أبرز الملفات التي تختبر هذه العلاقة مسألة استخدام الأراضي العراقية في أي صراعات إقليمية، وتنظيم وضع القوى المسلحة، وتحقيق توازن بين الاعتبارات الأمنية الداخلية ومتطلبات العلاقات الخارجية.
معضلة الدولة والسلاح
يبقى ملف السلاح أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد العراقي، فوجود قوى مسلحة خارج الإطار التقليدي للقوات الأمنية يمثل تحدياً أمام أي حكومة تسعى إلى بناء قرار أمني موحد.
لكن معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة عراقية داخلية تأخذ في الاعتبار طبيعة التحولات التي مرّ بها البلد، ودور مختلف القوى خلال مراحل الأزمات، مع ضمان أن تكون الدولة هي المرجعية النهائية في القرارات الأمنية والعسكرية. فالسيادة لا ترتبط فقط بمنع التدخل الخارجي، بل أيضاً بقدرة الدولة على تنظيم علاقاتها الداخلية وامتلاك مؤسسات قادرة على تنفيذ قراراتها.
تواجه بغداد معادلة دقيقة بين شراكتها مع الولايات المتحدة وعلاقتها مع إيران. فواشنطن تنظر إلى العراق ضمن حسابات الأمن الإقليمي ومواجهة التهديدات التي تمسّ مصالحها، بينما تنظر طهران إليه باعتباره دولة جارة ذات أهمية استراتيجية.
أما العراق، فيحاول بناء مقاربة تقوم على عدم تحويل أراضيه إلى ساحة تنافس بين الآخرين، وعلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستفادة من علاقاته المتعددة. لكن نجاح هذه السياسة يحتاج إلى ما هو أكثر من الدبلوماسية، إذ يتطلب إصلاحات داخلية، واقتصاداً أكثر استقلالية، ومؤسسات قادرة على فرض قواعد واضحة على الجميع.
مستقبل الدور العراقي
تمثل زيارة الزيدي إلى طهران استمراراً لمسار سياسي هدفه إعادة تعريف موقع العراق في المنطقة. فالرهان الحقيقي لا يتعلق بمدى قرب بغداد من واشنطن أو طهران، بل بقدرتها على جعل علاقاتها الخارجية أدوات لخدمة الدولة العراقية. فالعراق لا يحتاج إلى اختيار طرف ضد آخر بقدر حاجته إلى بناء دولة قوية قادرة على إدارة علاقاتها وفق مصالحها.
إذا نجحت بغداد في تحقيق هذا الهدف، فقد تتحول من ساحة تتقاطع فيها النفوذ إلى دولة تسهم في صياغة توازنات المنطقة. أما استمرار ضعف المؤسسات الداخلية، فسيُبقي العراق عرضة لتأثيرات القوى الخارجية، مهما اختلفت هوياتها وأهدافها.















