بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

من هرمز إلى عمق الخليج.. معركة كسر الردع بين واشنطن وطهران تعيد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتسارع حدة الانفجارات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لتتجاوز جغرافيا حروب الوكالة التقليدية، واضعة المنطقة بأسرها فوق فوهة صدام مباشر ومفتوح بين المحور “الأمريكي-الإسرائيلي” من جهة، وإيران من جهة أخرى. لم تعد الساعات الأخيرة مجرّد جولة تقليدية من تبادل الرسائل الصاروخية المعتادة، بل تحولت إلى إعادة رسم دموية لخرائط النفوذ، بعدما تلقت طهران جولات متعاقبة من الضربات الجوية المركزة؛ حيث تدمج واشنطن وتل أبيب قدراتهما العسكرية الاستخباراتية لشلّ البنية التحتية للحرس الثوري.

وجاء الردّ الإيراني سريعاً ومتهوراً عبر إعلان رسمي بإغلاق مضيق هرمز “حتى إشعار آخر”، بالتزامن مع توجيه ضربات صاروخية وبطائرات مسيرة استهدفت بشكل مباشر مرة جديدة العمق الجغرافي لدول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية الهاشمية، بذريعة استضافتها للقواعد الأمريكية وتنسيقها الدفاعي، ما يضع المنطقة أمام منعطف تاريخي يهدد بخلخلة الأمن الإقليمي والدولي.

هرمز في قبضة النار

يمثل قرار طهران بإغلاق مضيق هرمز خطوة انتحارية في سياق “دبلوماسية حافة الهاوية” لتهديد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. فالإغلاق الفعلي لأهم شريان طاقة في العالم ليس مجرّد مناورة تكتيكية ضد واشنطن، بل هو محاولة إيرانية لرفع كلفة الحرب على منظومة الحلفاء بأكملها، بما في ذلك إسرائيل التي تعتمد استراتيجياً على استقرار خطوط الملاحة البديلة لتأمين وارداتها.

يدرك الحرس الثوري أن شل الحركة في هرمز سيهز الأسواق المالية العالمية ويضغط على إدارة ترامب التي توازن خطواتها بين التصعيد الناري العنيف والبحث عن صفقة تسوية. لكن هذا الخيار يحمل في طياته بذور فناء النفوذ البحري الإيراني؛ إذ تنظر واشنطن وتل أبيب إلى حرية الملاحة كخط أحمر لا يمكن التهاون فيه، ما يجعل الإغلاق بمثابة تفويض دولي لتوسيع نطاق العمليات العسكرية واقتلاع القدرات البحرية الإيرانية على ضفاف الخليج.

تصفية الحسابات فوق الأجواء

انتقلت طهران من استراتيجية الاختباء خلف الفصائل الولائية إلى الاستهداف الصاروخي المباشر الذي طال منشآت حيوية في دول الخليج والقواعد العسكرية في الأردن. تحاول طهران من خلال هذا الجنون العسكري فرض معادلة جديدة مفادها أن أي هجوم ينطلق من الأراضي العربية أو يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية سيقابل بردّ صاعق يطال الدول المضيفة.

غير أن النتائج الميدانية لهذه المغامرة جاءت مخيبة لآمال المخطط العسكري الإيراني؛ حيث أثبتت كفاءة منظومات الدفاع الجوي في الأردن ودول الخليج، بالتكامل الاستخباري والتقني مع المظلة الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية، قدرة استثنائية على إحباط الهجمات. فقد نجحت القوات المسلحة الأردنية في اعتراض وتدمير الصواريخ الباليستية والمسيرات فوق أجوائها، ما أرسل إشارة سيادية بالغة الأهمية مفادها أن الأجواء العربية ليست مشاعاً مستباحاً لتصفية الحسابات الإقليمية.

تل أبيب وهندسة المعركة الشاملة

تتحرك إسرائيل في هذه المواجهة كعقل مدبر وشريك ميداني كامل في صياغة تفاصيل المعركة وتحجيم النفوذ الإيراني. منذ انطلاق “عملية زئير الأسد” والضربات الاستباقية المشتركة مع الولايات المتحدة ضد المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، أثبتت تل أبيب أن استراتيجيتها تتجاوز تقليم أظافر وكلاء طهران في غزة ولبنان إلى ضرب رأس الأفعى مباشرة.

تعتمد الصيغة الإسرائيلية الحالية على استغلال الاندفاع العسكري الأمريكي لتنفيذ اختراقات استخبارية عميقة داخل هيكل القيادة الإيراني، وتدمير منصات إطلاق الصواريخ بعيدة المدى ومصانع المسيرات التي تهدد عمقها الداخلي.

تدرك الحكومة الإسرائيلية أن هذه المواجهة هي معركة وجودية لكسر ما يسمى “محور المقاومة” بشكل نهائي، وتحويل التهديد الإيراني المستمر منذ عقود إلى فرصة تاريخية لفرض نظام أمني جديد في الشرق الأوسط تكون فيه تل أبيب الركيزة التكنولوجية والدفاعية الأساسية.

مأزق الخلافة والانتقام الداخلي

يتشابك هذا الجنون العسكري الإيراني الخارجي مع مشهد داخلي بالغ التعقيد والحساسية يعقب مرحلة ما بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. تعيش القيادة الجديدة، وتحديداً التيار المتشدد المحيط بمجتبى خامنئي وقادة الحرس الثوري، تحت وطأة “عقدة إثبات القوة والشرعية” أمام الجبهة الداخلية وحلفاء الإقليم الذين اهتزت ثقتهم بفعل الضربات الإسرائيلية والأمريكية المتلاحقة التي اخترقت حصونهم.

يرى قادة النظام أن الانكفاء أو إبداء المرونة في هذا التوقيت الحرج سيترجم كضعف وهزيمة قد تفتح الباب أمام اضطرابات داخلية واسعة النطاق تهدد بقاء تيار الخلافة الجديد؛ ولذلك يتم دفع لغة الصواريخ إلى أقصى مدياتها لفرض هيبة النظام بحدّ السلاح، حتى لو كان الثمن الدخول في حرب شاملة وتدمير البنية التحتية للبلاد.

يقف الشرق الأوسط اليوم أمام حقيقة واحدة تتمثل في أن القواعد القديمة لإدارة الصراع قد دفنت تماماً تحت ركام المنشآت المستهدفة. إن رهان طهران على تحويل جيرانها العرب إلى رهائن لردع التحالف الأمريكي-الإسرائيلي قد تحطم أمام يقظة الدفاعات الجوية الإقليمية، بينما تواصل واشنطن وتل أبيب قضم القدرات الإيرانية بصمت وقسوة، ما يضع المنطقة أمام صياغة حتمية لشروط استسلام جيوسياسي جديد يتشكل على وقع النيران.