بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

خلافات رئاسية

من ميركل إلى ميلوني.. لماذا يتحول تصحيح ترامب علناً إلى سمة دائمة في علاقات واشنطن بحلفائها؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

كرّس الخلاف الأخير بين رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ظاهرة رافقت الرئيس الأمريكي منذ دخوله البيت الأبيض عام 2017، تتمثل في تكرار المواجهات العلنية مع قادة العالم حول صحة الوقائع والتصريحات، وليس فقط حول السياسات والقرارات.

أعاد السجال العلني بين ترامب وميلوني خلال اليومين الماضيين إلى الواجهة سجلّاً طويلاً من المواجهات بين الرئيس الأمريكي وعدد من قادة العالم، الذين وجدوا أنفسهم على مدار ولايتيه الرئاسيتين مضطرين إلى تصحيح تصريحاته أو دحض رواياته علناً، بدءاً من المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، وصولاً إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.

ميلوني.. تمرد الحليف الأقرب

رغم كل هذه الخلافات، تبقى مواجهة جورجيا ميلوني الأكثر دلالة سياسياً. فحتى وقت قريب كانت توصف بأنها أقرب زعيمة أوروبية إلى ترامب، والوحيدة التي حافظت على علاقة سياسية مميزة معه، وحضرت حفل تنصيبه.

لكن عندما ادعى ترامب ساخراً أنها “توسلت” لالتقاط صورة معه خلال قمة السبع، ردت بحزم قائلة: “تصريحات دونالد ترامب مختلقة بالكامل، أنا مندهشة بصراحة، لا أعرف لماذا يتصرف رئيس الولايات المتحدة بهذه الطريقة تجاه حلفائه… إنها ليست المرة الأولى”. وأضافت: “إيطاليا وأنا لا نتوسل”.

لكن ترامب عاد ليشن هجوماً لاذعاً على ميلوني، متمسكاً بروايته بشأن الصورة التي أثارت أزمة بينهما. لترد ميلوني مجدداً على صفحتها على “إنستغرام”، السبت، بالقول: “إن هذه الهجمات المستمرة وغير المبررة لا معنى لها”. وتابعت: “كوني صديقة لك لم يساعد شعبيتي بالتأكيد، وأقترح أن تركز على شعبيتك أنت”.

لم يقتصر الغضب على ميلوني، إذ وصف وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني تصريحات ترامب بأنها “مسيئة”، فيما ألغى زيارة كانت مقررة إلى الولايات المتحدة.

ميركل.. البداية المبكرة

كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أوائل القادة الذين اصطدموا بترامب بعد وصوله الأول إلى البيت الأبيض. فمنذ عام 2017، تكررت الخلافات بين الطرفين بشأن الهجرة والتجارة والإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي.

واتهم ترامب ألمانيا مراراً باستغلال الولايات المتحدة تجارياً، كما زعم أن برلين لا تتحمل نصيبها العادل من الإنفاق الدفاعي.

وردت ميركل بصورة غير مباشرة لكن حادة عندما أعلنت بعد قمة مجموعة السبع عام 2017 أن أوروبا لم تعد قادرة بالكامل على الاعتماد على الآخرين، في إشارة فسّرها كثيرون على أنها تعبير عن تراجع الثقة بالقيادة الأمريكية.

وأصبحت صورة ميركل وهي تحدق في ترامب خلال قمة السبع في كندا عام 2018 رمزاً للخلاف المتصاعد بين الطرفين.

تيريزا ماي.. أول تصحيح علني

في بريطانيا، واجهت رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي ترامب بعد إعادة نشره مقاطع فيديو لجماعة يمينية متطرفة معادية للمسلمين. وأعلنت “داونينغ ستريت” آنذاك أن الرئيس الأمريكي “كان مخطئاً” في مشاركة تلك المواد.

ليرد ترامب بمهاجمة ماي علناً عبر “تويتر”، مطالباً إياها بالتركيز على الإرهاب داخل بريطانيا بدلاً من انتقاده.

وكانت تلك من المرات النادرة التي يهاجم فيها رئيس أمريكي حليفاً أوروبياً بهذه الحدة.

ترودو..التوتر الكبير

العلاقة الأكثر توتراً خلال الولاية الأولى لترامب كانت مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. فبعد قمة مجموعة السبع في كيبيك عام 2018، اتهم الرئيس الأمريكي ترودو بأنه “غير نزيه وضعيف جداً”، بعدما اعترض الأخير على الرسوم الجمركية الأمريكية.

ورد مسؤولون كنديون بالتشكيك في رواية ترامب للأحداث، فيما تحولت الأزمة إلى واحدة من أسوأ الخلافات بين الولايات المتحدة وكندا في العقود الأخيرة.

وبعد عام واحد فقط، ظهر ترودو في تسجيل شهير خلال قمة الناتو في لندن وهو يتبادل المزاح مع ماكرون وقادة آخرين بشأن سلوك ترامب وتصريحاته، ما دفع الرئيس الأمريكي إلى وصفه بأنه “ذو وجهين”.

ماكرون.. الصديق الناقد

رغم البداية الودية التي جمعت ترامب بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن العلاقة بينهما شهدت تباينات متزايدة بشأن عدد من الملفات، من التغير المناخي إلى التجارة والدفاع الأوروبي. ومع مرور الوقت، تحول ماكرون إلى أحد أكثر القادة الأوروبيين انتقاداً لسياسات ترامب، خصوصاً بعد انسحاب واشنطن من اتفاق باريس للمناخ وتصاعد الخلافات حول مستقبل حلف شمال الأطلسي. وفي عام 2019، أثار ماكرون جدلاً واسعاً عندما وصف الناتو بأنه يعاني “موتاً دماغياً”، في تصريحات عكست حجم القلق الأوروبي من حالة عدم اليقين التي أحاطت بالعلاقة عبر الأطلسي خلال عهد ترامب.

زيلينسكي يكسر القاعدة

بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أول من كسر الحاجز التقليدي في التعامل مع الرئيس الأمريكي.

فبعد تصريحات ترامب التي وصف فيها زيلينسكي بأنه “ديكتاتور” وزعمه أن نسبة شعبيته لا تتجاوز 4%، رد الرئيس الأوكراني قائلاً إن ترامب يعيش داخل “شبكة من المعلومات المضللة”. وأضاف: “أتمنى لو أن فريق ترامب يمتلك قدراً أكبر من الحقيقة”.

وبلغ التراشق الكلامي ذروته عندما اعتبر ترامب أن أوكرانيا “كان يمكنها التوصل إلى اتفاق منذ سنوات” لتجنب الحرب، في تصريحات أثارت غضب كييف وحلفائها الأوروبيين. ورد زيلينسكي بأن من يعيش بعيداً عن واقع الحرب قد يطلق أحكاماً مبسطة لا تعكس حقيقة ما تواجهه بلاده، مؤكداً أن تحميل أوكرانيا مسؤولية النزاع يتجاهل حقيقة أن روسيا هي التي بدأت الغزو. 

كما انتقد مراراً ما وصفه بتبنّي بعض الروايات الروسية بشأن الحرب، لتشكل تلك التصريحات واحدة من أكثر الانتقادات المباشرة التي وجهها زعيم حليف للولايات المتحدة إلى رئيس أمريكي في السنوات الأخيرة.

ماكرون يصحح ترامب في البيت الأبيض

في فبراير/شباط 2025، وجد ماكرون نفسه مجدداً مضطراً إلى تصحيح ترامب أثناء مؤتمر صحفي داخل البيت الأبيض. فحين كرر الرئيس الأمريكي أن أوروبا ستستعيد الأموال التي قدمتها لأوكرانيا بينما تتحمل الولايات المتحدة العبء وحدها، قاطعه الرئيس الفرنسي قائلاً: “لا، بصراحة هذا غير صحيح”.

وأوضح أن الأوروبيين تحملوا نحو 60% من الجهد المالي الكلي لدعم كييف عبر المنح والقروض والضمانات.

لم يكن المشهد عادياً حينها؛ إذ نادراً ما يُصحح رئيس أجنبي رئيساً أمريكياً في حدث إعلامي وداخل عرين الأسد. مع ذلك، لم يبدُ أن ترامب تقبل الأمر بسهولة، ورد قائلاً: “إذا كنت تعتقد ذلك فلا مشكلة لدي”.

ستارمر يدخل المواجهة

بعد أيام فقط، وجد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نفسه يصحح الرواية ذاتها خلال لقائه ترامب في البيت الأبيض. فبينما كرر الرئيس الأمريكي تأكيده أن الدول الأوروبية ستستعيد الأموال التي قدمتها لأوكرانيا، فيما تتحمل الولايات المتحدة التكلفة دون مقابل، ردّ ستارمر قائلاً: “نحن أيضاً لن نستعيد معظم أموالنا”، موضحاً أن جانباً كبيراً من المساعدات البريطانية قُدم في صورة منح مباشرة وليس قروضاً قابلة للاسترداد.

وفي مناسبة أخرى، رد مباشرة على انتقادات نائب الرئيس جيه دي فانس بشأن حرية التعبير في بريطانيا، مؤكداً أن المملكة المتحدة تتمتع بتاريخ طويل من الحريات وأن الحكومة البريطانية لا تتدخل في حقوق المواطنين الأمريكيين.

لكن المواجهة الأبرز جاءت عندما زعم ترامب أن قوات الناتو تجنبت القتال على الخطوط الأمامية في أفغانستان. ليصف ستارمر تلك التصريحات بأنها “مهينة ومروعة”، مذكراً بأن أكثر من ألف جندي من دول الحلف قتلوا خلال الحرب.

الخلاف يتجاوز أوكرانيا

مع مرور الزمن، بدأت المواجهات تتجاوز الملف الأوكراني. ففي ربيع 2026، دخل ترامب في سجال متجدد مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعدما علّق بسخرية على مقطع مصور لزوجته بريجيت ماكرون.

ورد ماكرون بأن تصريحات ترامب “ليست على المستوى المطلوب”. لكن الانتقاد الأهم جاء لاحقاً عندما وجه الرئيس الفرنسي رسالة مبطنة إلى ترامب بشأن تعامله مع الأزمة الإيرانية. وقال: “عندما تريد أن تكون جاداً، لا يمكنك أن تقول شيئاً اليوم ونقيضه غداً”.

لم تكن هذه العبارة مجرد انتقاد سياسي، بل تشكيك مباشر في مصداقية الخطاب الأمريكي وقدرته على تقديم موقف ثابت يمكن للحلفاء البناء عليه.

سانشيز وكارني وميرتس

مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، اتسعت دائرة المنتقدين لتصريحات ترامب، وانتقاداته المتواترة لزعماء العالم. ومؤخراً، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الموقف الأمريكي بأنه “متهور وغير قانوني”، مؤكداً أن مدريد لن تنجر وراء سياسات تهدد الاستقرار العالمي.

أما رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، فدخل في مواجهة مع ترامب بعد تلميحات متكررة من الرئيس الأمريكي بشأن ضم كندا أو زيادة الهيمنة الأمريكية عليها. كما انتقد خلال منتدى دافوس استخدام الرسوم الجمركية وسلاسل التوريد كأدوات ضغط سياسي، في إشارة واضحة إلى نهج ترامب.

في المقابل، وجّه المستشار الألماني فريدريش ميرتس انتقادات مبطنة لطريقة إدارة واشنطن للمفاوضات مع إيران، معتبراً أن طهران نجحت في إحراج الإدارة الأمريكية.

تكشف هذه السلسلة من المواجهات تحولاً لافتاً في طبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها. فمن ميركل وترودو وماي خلال الولاية الأولى، إلى زيلينسكي وماكرون وستارمر وميلوني خلال الولاية الثانية، يتكرر المشهد ذاته، حلفاء يختلفون مع ترامب، ويشعرون بضرورة الرد عليه علناً عندما يرون أن روايته للأحداث لا تتوافق مع الواقع.

وهذا ما يجعل أزمة ميلوني أكثر من مجرد خلاف شخصي؛ إنها حلقة جديدة في نمط سياسي ودبلوماسي أصبح إحدى السمات الأكثر تميزاً وإثارة للجدل في عهد دونالد ترامب.