بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق وحريات

من قاعات الامتحان إلى شوارع نيودلهي.. “حزب شعب الصراصير” يختبر حدود سلطة مودي

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لم تكن استقالة وزير التعليم الهندي دارمندرا برادان في 25 يوليو نهاية أزمة الشباب، بل أول تنازل تنتزعه حركة خرجت من هواتف الطلاب إلى شوارع العاصمة. أسابيع من الاحتجاجات على تسريب أسئلة امتحان القبول الوطني لكليات الطب كانت كافية لتحويل فضيحة تعليمية إلى اختبار سياسي لحكومة ناريندرا مودي. القضية لم تعد مرتبطة بورقة امتحان مسربة فقط، بل بقدرة الشباب على الاعتراض من دون أن يواجهوا الهراوات والاعتقال وقطع الإنترنت.

أوقفت حركة “حزب شعب الصراصير” احتجاجاتها بعد محادثات مع الحكومة واستقالة الوزير، لكن الملفات التي فتحتها بقيت قائمة. وفي 28 يوليو، أمرت المحكمة العليا بعدم اتخاذ إجراءات قسرية ضد المشاركين، والإفراج عن المحتجزين القاصرين الذين لا سوابق جنائية لهم، والحفاظ على تسجيلات المراقبة والبيانات الشخصية والرقمية للمتظاهرين.

كما بحثت المحكمة إجراء تحقيق مستقل في اتهامات استخدام الشرطة قوة مفرطة. عند هذه النقطة، لم تعد المساءلة محصورة في وزارة التعليم، بل امتدت إلى أجهزة الدولة وطريقة إدارتها للاحتجاج المدني.

امتحان يحدد مصير عائلة

بدأت الأزمة بعد تسريب أسئلة اختبار القبول الطبي “NEET-UG”، ما وضع أكثر من مليوني متقدم أمام إعادة الامتحان والانتظار مجدداً في نظام تنافسي شديد الكلفة.

في الهند، لا يُنظر إلى هذه الاختبارات بوصفها إجراءً تعليمياً عادياً. إنها بالنسبة إلى ملايين الأسر بوابة نادرة للصعود الاجتماعي، وفرصة لنقل الأبناء من واقع اقتصادي هش إلى مهنة أكثر استقراراً ومكانة.

لهذا لم يُقرأ تسريب الأسئلة باعتباره خطأً إدارياً يمكن احتواؤه بقرار تقني. بالنسبة إلى الطلاب، كان الأمر اعتداءً على مبدأ تكافؤ الفرص، وعلى الثقة في أن سنوات الدراسة والإنفاق والانتظار يمكن أن تنتهي بنتيجة عادلة.

وعندما تتكرر عمليات التسريب والإلغاء وإعادة الاختبارات، تصبح المؤسسة التي يفترض أن تحمي المنافسة سبباً في تقويضها. الطالب لا يخسر موعداً دراسياً فقط؛ بل قد يخسر عاماً كاملاً، وتكاليف تدريب وإقامة، وفرصة ربما لا تتكرر.

تزداد الأزمة حدة مع واقع سوق العمل. ووفق بيانات هيئة الإحصاء الهندية، بلغ معدل البطالة بين الشباب من 15 إلى 29 عاماً نحو 9.9% خلال عام 2025، مقابل 3.1% بين جميع من تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر.

الأرقام الرسمية لا تختصر كل أبعاد البطالة أو العمل غير المستقر، لكنها تكشف فجوة واضحة: الشاب الهندي يدخل سباق التعليم وهو يعرف أن النجاح في الامتحان لا يضمن وظيفة، وأن الفشل أو التلاعب بالاختبار قد يغلق أمامه واحدة من الفرص القليلة المتاحة.

من هنا توسعت مطالب المحتجين. بدأت بإصلاح منظومة الامتحانات واستقالة الوزير، ثم انتقلت إلى تعويض عائلات نحو 20 طالباً قالت الحركة إنهم أنهوا حياتهم تحت ضغط الأزمة، قبل أن تشمل البطالة والعدالة في توزيع الفرص ومحاسبة المسؤولين.

“الصراصير” تخرج من الشاشة

تأسست حركة “حزب شعب الصراصير” في مايو على يد أبهيجيت ديبكي، وهو شاب في الثلاثين من عمره يعمل في مجال الاتصال السياسي.

اختيار الاسم لم يكن عابراً. الحركة استعادت وصف “الصراصير” الذي استُخدم بازدراء بحق العاطلين، وحولته إلى هوية ساخرة ترمز إلى البقاء والقدرة على مقاومة التهميش.

خلال أسابيع، اجتذبت الحركة ملايين المتابعين عبر مقاطع فيديو قصيرة وصور ساخرة ولغة قريبة من الشباب، قبل أن تنقل حضورها من الفضاء الرقمي إلى الشارع.

قوتها لم تأت من حزب منظم أو نقابة قديمة، بل من قدرتها على جمع فئات مختلفة حول تجربة مشتركة: طلاب، خريجون، متقدمون إلى الوظائف، وأسر تشعر بأن المؤسسات التي يفترض أن تمنح أبناءها فرصة عادلة لم تعد جديرة بالثقة.

هذا التنوع أربك الحكومة. لم يكن من السهل تصوير المحتجين بوصفهم جماعة دينية أو طبقية أو إقليمية، كما لم يكن ممكناً حصرهم داخل تنظيم سياسي معروف يمكن مهاجمته أو التفاوض مع قيادته ثم إنهاء الحركة.

لكن الاعتماد على الفضاء الرقمي كشف نقطة ضعف أساسية. ففي يوليو، أصدرت محكمة هندية أمراً بإعادة فتح حساب الحركة على منصة “إكس” بعدما ظل محجوباً لأكثر من شهر.

حجب الحساب لم يكن عقوبة رقمية محدودة. كان يعني تعطيل قدرة الحركة على الدعوة إلى التظاهر، والوصول إلى جمهورها، وتوثيق الأحداث، ونشر روايتها عن تعامل الشرطة مع المحتجين.

أصبح الشباب أمام خيارين كلاهما مكلف: تنظيم الاحتجاج عبر الإنترنت مع التعرض للحجب والمراقبة، أو النزول إلى الشارع ومواجهة القيود الأمنية والاعتقال واستخدام القوة.

حين وصلت الهراوات

بلغ التصعيد ذروته في 20 يوليو/تموز، عندما حاول آلاف المحتجين التحرك من منطقة جانتار مانتار باتجاه البرلمان.

استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريق المسيرة، بينما رد بعض المتظاهرين برشق الحجارة. وقدمت السلطات والحركة روايات متباينة بشأن أعداد المصابين والطرف الذي بدأ العنف.

وقالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن قوات الأمن استخدمت القوة ضد احتجاجات كانت سلمية في معظمها، وطالبت بتحقيق سريع ومستقل في الاستخدام غير الضروري أو المفرط للقوة.

في المقابل، قالت السلطات إن أعداداً كبيرة من أفراد الشرطة أصيبوا خلال المواجهات. لكن وقوع أعمال عنف من بعض المشاركين لا يمنح قوات الأمن تفويضاً مفتوحاً لمعاملة جميع المحتجين باعتبارهم تهديداً أمنياً.

بعد المواجهات، تعطلت بيانات الهاتف المحمول في أجزاء من وسط نيودلهي. وشركات الاتصالات تلقت توجيهات بوقف خدمة البيانات في المنطقة التي كانت تشهد الاحتجاجات.

وتشير منظمة “أكسس ناو” إلى توثيق 65 حالة قطع للإنترنت في الهند خلال عام 2025، ارتبط عدد منها بالاحتجاجات والمناسبات الحساسة. تكرار الإجراء يثير سؤالاً يتجاوز هذه التظاهرات: هل يتحول قطع الاتصال من استثناء أمني إلى وسيلة اعتيادية لإدارة الغضب السياسي؟

كما انتقدت منظمة العفو الدولية استخدام صلاحيات استثنائية تتيح الاحتجاز الإداري خلال احتجاجات دلهي. وحذرت من أن تطبيق قانون الأمن القومي قد يحرم المحتجزين من ضمانات أساسية، بينها معرفة أسباب توقيفهم والقدرة على الطعن فيه بصورة فعالة.

عندما تُستخدم قوانين الأمن في مواجهة حركة بدأت بمطالب تعليمية، لا يعود النقاش متعلقاً بالنظام العام وحده، بل بالحد الفاصل بين حماية الأمن واستخدامه ذريعة لتقييد الاعتراض.

ديمقراطية تستجيب بعد التصعيد

لا تعني هذه الوقائع أن المجال المدني في الهند أُغلق بالكامل. الحركة استطاعت التظاهر، وجذبت انتباه الإعلام والمعارضة، ودفعت وزيراً إلى الاستقالة، ثم حصلت على تدخل من المحكمة العليا.

هذه المؤشرات تؤكد أن المؤسسات الهندية لا تزال قادرة على الاستجابة للضغط الشعبي. لكن الاستجابة جاءت بعد إصابات واعتقالات وحجب حسابات وقطع لخدمات الاتصال.

المشكلة ليست في غياب أي مساحة للاعتراض، بل في ارتفاع التكلفة التي يدفعها المواطن قبل أن تتحرك المؤسسات.

وتصنف “فريدوم هاوس” الهند في تقريرها لعام 2026 دولة “حرة جزئياً” بدرجة 62 من 100، مشيرة إلى تراجع الحرية الأكاديمية وتعرض طلاب وأساتذة ومؤسسات جامعية للترهيب بسبب مواقف سياسية ودينية.

كما تقول منظمة العفو الدولية إن السلطات استخدمت قوانين الأمن ومكافحة الإرهاب ضد صحافيين وأكاديميين وطلاب، وأمرت منصات رقمية بحجب أصوات معارضة، واحتجزت مشاركين في احتجاجات سلمية.

ضمن هذا المناخ، تكتسب حركة “الصراصير” أهميتها. فهي لم تدخل المجال العام من بوابة أيديولوجية أو حزبية، بل من تجربة يومية يعرفها ملايين الشباب: امتحان غير موثوق، وظيفة يصعب الوصول إليها، ومؤسسات تطلب منهم الانتظار من دون ضمانات للمحاسبة.

الوزير رحل.. والمنظومة بقيت

أثبتت استقالة دارمندرا برادان أن الضغط الشعبي قادر على فرض كلفة سياسية على حكومة مودي. لكنها تظل استجابة مرتبطة بشخص الوزير، وليست دليلاً على إصلاح المؤسسات التي سمحت بتكرار المخالفات.

أعلنت الحكومة تفاهمات تشمل إصلاح نظام الامتحانات والتعامل مع ملفات المحتجين، فيما حذرت الحركة من العودة إلى الشارع إذا لم تُسحب البلاغات والإجراءات الجنائية بحق المشاركين.

النتيجة الفعلية لن تُقاس بعدد الاستقالات، بل بأربعة اختبارات محددة: سحب القضايا المرتبطة بالمشاركة السلمية، فتح تحقيق مستقل في استخدام القوة والمراقبة الرقمية، إصلاح منظومة إعداد الامتحانات وحمايتها ومراجعة نتائجها، وتحويل وعود النمو الاقتصادي إلى وظائف مستقرة تستوعب الخريجين.

نجحت الحركة في إجبار الحكومة على الاستماع، لكنها لم تنتزع بعد ضمانة دائمة لحق الشباب في الاعتراض.