تلقب أماني الوشاحي بـ “أم الأمازيغ المصريين”، وقد اشتهرت بدفاعها عن الهوية الأمازيغية وحق أصحابها في الاعتراف والتمثيل الثقافي، قبل أن تتعرض للاعتقال في ظروف تدعو للريبة. ظهر اسمها في قضية أمن الدولة رقم 4880 لسنة 2025، التي بدأت أخبارها بتوقيف ستة مصريين، على خلفية نقاشات داخل مجموعة مغلقة بشأن المشاركة في “المسيرة العالمية إلى غزة”.
الوثائق المتاحة، تربط اسم المدافعة عن حقوق الأقلية الأمازيغية في مصر بالرقم 45، الذي يحدّد ترتيبها بين المتهمين، فيما تختصر كلمة واحدة وضعها القانوني كاملاً: “محبوسة”. وتشير بيانات حقوقية إلى أن عدد المتهمين في القضية ارتفع من 6 إلى 45 شخصاً، خلال أقل من عام، من بينهم امرأة ارتبط حضورها بسؤال بعيد ظاهرياً عن مسيرة غزة، لكنه لا يقلّ حساسية: ما حدود الاعتراف بالتنوع الأمازيغي داخل دولة تقوم هويتها الرسمية والثقافية على العروبة؟
حتى الآن، لا تتوفر معلومات كافية تشرح كيف انتقلت الوشاحي من فضاء النشاط الثقافي إلى ملف أمني بهذا الاتساع، ولا التهم المنسوبة إليها.
على حدود غزة
في يونيو/حزيران 2025، كان ناشطون من دول متعددة يستعدون للتجمع في مصر والتوجه نحو شمال سيناء، ضمن مبادرة مدنية تهدف إلى إدخال المساعدات عبر معبر رفح ورفع الحصار عن قطاع غزة. لكن السلطات المصرية تمنع الوصول إلى رفح دون تنسيق مسبق وموافقات رسمية، نظراً إلى حساسية المنطقة أمنياً، لذلك أوقفت عشرات المشاركين الأجانب ورحّلتهم، كما منعت آخرين من مواصلة طريقهم نحو سيناء.
في خضم ذلك، ظهرت القضية 4880 مع توقيف ستة مصريين. وركزت التحقيقات معهم على وجودهم في مجموعة مغلقة ناقشت احتمال المشاركة في المسيرة، ووجهت إليهم النيابة العامة اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، رغم أن التحرك نفسه لم يحصل على الموافقات ولم ينفذ بالصورة المخطط لها.
من ستة أسماء إلى ملف واسع
الملف توسع ليشمل عشرات المتهمين، من بينهم أماني الوشاحي التي تحمل الرقم 45، وقد جمعت داخل الملف مسارات تحقيق مختلفة قبل نقله إلى المحاكمة. الاتهامات عموماً تشمل القيادة والعضوية والتمويل والترويج الإلكتروني، وظهور اسم الوشاحي يطرح سؤالاً معلقاً حتى اللحظة: هل أضيفت بسبب صلة مباشرة بمجموعة “المسيرة العالمية إلى غزة”، أم بسبب تحقيق منفصل جرى ضمه إلى القضية، أم بناء على شبكة اتصالات أو محتوى إلكتروني رأته أجهزة التحقيق جزءاً من الملف؟
إدراج الوشاحي ضمن هذا الملف يدعو للتساؤل بسبب موقعها داخل النقاش الثقافي المصري، فقد عرفت طوال سنوات بوصفها باحثة وممثلة لأمازيغ مصر لدى “الكونغرس العالمي الأمازيغي”، ودافعت علناً عن الاعتراف بالمكوّنات الثقافية التي لا تختصر الهوية المصرية في بعدها العربي وحده.
خطابها لم يكن فولكلورياً يقتصر على الملابس والعادات والتراث، بل طرحت الوشاحي في مقابلات سابقة أسئلة أكثر حساسية حول تعريف الدولة، وموقع الأمازيغ داخل مصر، والعلاقة بين الهوية المصرية والتوصيف العربي الرسمي. وفي عام 2013، صدر عنها موقف يدعو إلى مراجعة صفة “العربية” في الاسم الرسمي للدولة، انطلاقاً من وجود مكونات قومية وثقافية متعددة.
كل ذلك لا يعني أن اعتقالها جاء على خلفية هذه المواقف، إذ لا توجد وثيقة تربط بينها وبين القضية 4880. لكن تجاهل هذا التاريخ يجعل الوشاحي مجرد متهمة إضافية، بينما هي في الواقع صوت تدخل لسنوات في منطقة حساسة: من يملك تعريف الهوية الوطنية، ومن يحدد المكونات التي يعترف بها السرد الرسمي؟
لهذا، تحمل قضية الوشاحي مستويين يجب الفصل بينهما. المستوى الأول قانوني: ما الأدلة والأفعال التي تنسبها النيابة إليها شخصياً؟ والمستوى الثاني سياسي وثقافي: ماذا يحدث لتمثيل جماعة محدودة الحضور المؤسسي عندما يُحتجز أحد أكثر أصواتها ظهوراً داخل قضية أمن دولة واسعة؟
قد لا يكون نشاطها الأمازيغي سبب الاحتجاز، لكنه يتأثر مباشرة بنتيجته. وهذه هي النقطة التي غابت عن الرواية المنقولة: الدافع غير مثبت، أما الأثر فظاهر.
الصمت كأثر سياسي
لا يحتاج تقييد المجال الثقافي دائماً إلى قرار يحظر جمعية أو يمنع لغة أو يغلق مؤسسة. قد يتحقق الأثر نفسه عندما تختفي شخصية مركزية من المجال العام، وتبقى لأشهر داخل الحبس، بينما لا تتوافر معلومات واضحة عن الأفعال المنسوبة إليها.
في حالة الوشاحي، يؤدي الاحتجاز عملياً إلى تعطيل صوت كان يطالب بحق جماعة ثقافية في تقديم نفسها وتحديد ممثليها وخطابها. كما يرسل إشارة إلى باحثين وناشطين آخرين بأن الانتقال من دراسة التراث إلى بناء تمثيل منظم أو طرح أسئلة عن الهوية الوطنية قد يضع صاحبه داخل مساحة سياسية يصعب فصلها عن الأمن.
هذه ليست نتيجة قضائية، ولا اتهاماً للسلطات باستهداف الأمازيغ كجماعة. إنها قراءة للأثر الذي تصنعه القضية في المجال العام، بصرف النظر عن الدافع الأصلي الذي لا يزال مجهولاً.
وتزداد قوة هذا الأثر بسبب غياب مؤسسات أمازيغية مصرية وازنة تستطيع تعويض غياب الوشاحي أو الوصول بسهولة إلى الإعلام والمؤسسات الرسمية. فكلما ضاق عدد الأصوات القادرة على الظهور، أصبحت إزالة صوت واحد أكثر تأثيراً في قدرة الجماعة كلها على تعريف نفسها.
قضية تتجاوز الوشاحي
طالبت منظمات حقوقية مصرية ودولية بالإفراج عن أشخاص احتُجزوا بسبب التعبير عن دعم “المسيرة العالمية إلى غزة”، واعتبرت “منظمة العفو الدولية” أن السلطات استخدمت اتهامات أمنية ضد مواطنين بسبب أشكال سلمية من التضامن. لكن وضع الوشاحي يضيف إلى الملف بعداً لم يكن موجوداً في بدايته. فالقضية التي انطلقت عند تقاطع غزة والحدود والتنظيم المستقل، أصبحت الآن تمس أيضاً سؤال التعدد الثقافي داخل مصر.
لا تكشف المعلومات المتاحة أن الدولة المصرية تحاكم الهوية الأمازيغية. هذا استنتاج لا تدعمه الوثائق. لكنها تكشف أن إحدى أبرز المدافعات عن هذه الهوية أصبحت جزءاً من قضية أمنية واسعة، من دون أن يعرف الجمهور حتى الآن كيف ارتبط نشاطها واتصالاتها بالوقائع التي بدأت منها القضية.
يبقى ما يجب مراقبته واضحاً: النسخة الكاملة من أمر الإحالة، والاتهامات الفردية المسندة إلى الوشاحي، والوثائق الرقمية أو المادية التي تعتمد عليها النيابة، وما إذا كانت المحكمة ستتعامل مع المتهمين باعتبارهم شبكة واحدة، أم ستفصل بين أفعالهم ومسؤولياتهم.
حتى ظهور هذه الوثائق، لا يمكن إثبات أن أماني الوشاحي حُبست بسبب دفاعها عن الأمازيغ. لكن يمكن القول إن احتجازها أحدث النتيجة التي كان سيحدثها استهداف نشاطها مباشرة: إبعاد أحد أبرز أصواته عن المجال العام، ووضع سؤال الهوية الثقافية داخل مساحة يحكمها الأمن قبل أن يفسرها القضاء.















