لم يعد البيان الخليجي-الأردني-الأميركي الصادر، الإثنين، مُجرد إدانة جديدة لهجمات إيران، بل بدا كأنه إعلان سياسي عن نهاية مرحلة كاملة من الرهان الخليجي على إمكان ضبط العلاقة مع طهران عبر التهدئة وحسن الجوار. البيان وصف الضربات بأنها استهدفت “أراضي ذات سيادة”، وعرّضت المدنيين للخطر، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية المدنية، ثم انتقل فوراً إلى لغة أشد صرامة.
أكد البيان: “نقف صفاً واحداُ دفاعاً عن مواطنينا وسيادتنا وأراضينا”، مع التشديد على حق الدفاع عن النفس والإشادة بالتعاون الدفاعي الجوي والصاروخي. هذه ليست لغة امتعاض عابر، بل لغة كتلة إقليمية تشعر بأنها خُدعت سياسياً واستُهدفت أمنياً، بعد أن حاولت، لسنوات، تجنيب إيران الأسوأ وفتح أبواب التهدئة معها.
من توصيف الهجمات إلى الدلالات السياسية
التحول الأوضح أن الغضب الخليجي لم يعد محصوراً في توصيف الهجمات، بل في دلالتها السياسية. فالمجلس الوزاري الخليجي الاستثنائي أكد أن الهجمات الإيرانية استهدفت الإمارات والبحرين والسعودية وسلطنة عمان وقطر والكويت بالإضافة إلى الأردن، مخلّفة أضراراً كبيرة في منشآت مدنية ومواقع خدمية ومناطق سكنية، ومهددة حياة المواطنين والمقيمين.
الأهم أن البيان الخليجي شدد على أن هذه الهجمات وقعت “على الرغم من المساعي الدبلوماسية العديدة” التي بذلتها دول المجلس لتجنب التصعيد وتأكيدها عدم استخدام أراضيها لشن أي هجوم على إيران، ثم لوّح بوضوح بـ”خيار الرد على العدوان”. تتكشف هنا عُقدة اللحظة الراهنة: دولٌ حاولت تحييد نفسها عن الحرب، فإذا بها تتحول في الحسابات الإيرانية إلى جزء من ساحة العقاب.
انكسار مسار حسن الجوار
هذا التطور يكتسب وزنه الحقيقي إذا وُضع فوق خلفية السنوات القليلة الماضية. الإمارات أعادت سفيرها إلى طهران في إطار مسعى مُعلن لتعزيز العلاقات وخدمة المصالح المشتركة للبلدين والمنطقة، بعد أكثر من ست سنوات على خفض التمثيل. كما أعادت السعودية وإيران العلاقات بوساطة صينية، مع تأكيد متبادل على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. وحتى في ذروة التوترات السابقة، كانت العواصم الخليجية تدفع نحو التهدئة، وأكدت مراراً أنها لا تريد أن تكون أراضيها منصات لانطلاق أي عمل عسكري ضد إيران، التزامًا بالحياد والاستقرار الإقليمي.
لهذا يبدو الغضب الخليجي اليوم غضباً مضاعفاً: ليس فقط لأن الصواريخ والطائرات المسيّرة عبرت إلى مدنه وموانئه ومطاراته، بل لأنها نسفت عملياً حجة طهران بأنها حريصة على الحفاظ على تهدئة مع جوارها العربي. فإيران، بهذه الضربات، لم تستهدف منشآت ومرافق فحسب، بل استهدفت أيضاً مناخاً سياسياً عملت العواصم الخليجية على بنائه بصعوبة خلال السنوات الأخيرة. وبينما كانت هذه الدول تسعى إلى تجنيب المنطقة مزيداً من الاشتعال، جاءت الضربات الإيرانية لتوحي بأن طهران لا تفرّق بين خصم مباشر وجار حاول النأي بنفسه عن المواجهة.
من التهدئة إلى الردع
الترجمة العملية الأولى لهذا الانكسار جاءت من أبوظبي. فالإمارات لم تكتفِ بالإدانة، بل أغلقت سفارتها في طهران، وسحبت سفيرها وكامل بعثتها الدبلوماسية، ووصفت الهجمات بأنها “عدوانية” طالت مناطق سكنية ومطارات وموانئ ومنشآت خدمية، وأنها تشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية والقانون الدولي.
ثم ذهبت أبعد من ذلك عندما استدعت السفير الإيراني وسلمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة، رافضة “أي مبررات أو أعذار” إيرانية، ومؤكدة أن الهجمات تقوّض مبادئ حسن الجوار ومسار خفض التصعيد والحلول السلمية التي تبنتها الإمارات تجاه إيران، ومحذرة من “تداعيات خطيرة” على العلاقات الثنائية ذات تأثير مباشر على المستويات السياسية والاقتصادية والتجارية.
في الحسابات الدبلوماسية، لا تبدو هذه الخطوات مجرد رد فعل آني، بل بداية فكّ ارتباط سياسي من النوع الذي يصعب ترميمه سريعاً. فحين تصل العلاقات إلى نقطة سحب البعثة الدبلوماسية وإغلاق السفارة، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى الداخل الإيراني فحسب، بل إلى الإقليم والعالم أيضاً: الخليج لم يعد ينظر إلى ما جرى باعتباره حادثة طارئة يمكن امتصاصها ببيان تهدئة أو وساطة عاجلة، بل باعتباره تحولاً نوعياً في طبيعة التهديد.
ويزداد المعنى وضوحاً إذا نُظر إلى اتساع دائرة الاصطفاف. فالبيان الصادر اليوم لم يكن خليجياً صرفاً، بل جمع الإمارات والسعودية وقطر والبحرين والكويت والأردن والولايات المتحدة، ما يمنح الرسالة بعداً سياسياً وأمنياً يتجاوز حدود التضامن التقليدي. وبين بيان خليجي يلوّح بخيار الرد، وبيان أوسع يشدد على حق الدفاع عن النفس، تظهر ملامح مرحلة جديدة عنوانها أن أمن الخليج لم يعد يُصاغ فقط بلغة الاحتواء، بل أيضاً بلغة الردع الجماعي.
فاتورة استراتيجية على طهران
المشكلة بالنسبة إلى طهران أن كُلفة هذا السلوك لا تبدو عسكرية فقط، بل استراتيجية أيضاً. فالهجمات لم تصب رمزية الاستقرار الخليجي وحسب، بل مسَّت قلب الاقتصاد الإقليمي والعالمي. إن استهداف البنية التحتية المدنية والمطارات والموانئ والمنشآت الحيوية يبعث برسالة شديدة الخطورة إلى الأسواق وشركات الملاحة والطاقة والاستثمار، ويضع المنطقة كلها أمام اختبار أمني واقتصادي بالغ الحساسية. كما أن استهداف دول غير منخرطة مباشرة في الأعمال العدائية يجعل إيران، في نظر جيرانها، طرفاً لا يمكن الوثوق بحساباته ولا بوعوده السياسية.
هنا تبرز الخسارة الأعمق لطهران. إيران لم تكن بحاجة فقط إلى تجنب حرب مفتوحة، بل كانت بحاجة أيضاً إلى الإبقاء على حد أدنى من العلاقات الوظيفية مع جوارها الخليجي، بما يخفف عنها العزلة السياسية والاقتصادية ويمنحها هامش مناورة إقليمياً. لكن ضرب هذا الجوار، بعد كل محاولات التهدئة، يعني عملياً هدم أحد آخر الجسور التي كانت لا تزال قائمة.
الخليج الذي سعى إلى إدارة الخلاف مع طهران من دون انفجار، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف تماماً: إيران لم تكتفِ بإرسال رسائل نارية إلى خصومها، بل حولت جيراناً حاولوا تجنب الأسوأ إلى أهداف مباشرة. وهذا ما يجعل الضربة الإيرانية، في القراءة السياسية، نجاحاً نارياً عابرًا يقابله خطأ استراتيجي فادح، لأن نتيجته المرجحة ليست إخضاع الخليج أو ردعه، بل دفعه إلى مزيد من التماسك والاصطفاف والتشدد في تعريف التهديد الإيراني.
عُزلة تتسع في الجوار الأقرب
الأخطر في هذا التحول أن إيران لا تواجه فقط إدانات، بل خسارة في البيئة السياسية المحيطة بها. فحين تضرب دولاً أكدت حيادها، ورفضت استخدام أراضيها ضدها، فإنها لا تعاقب خصوماً مباشرين فقط، بل تُقنع المترددين بأن كلفة الحياد معها أصبحت أعلى من كلفة الاصطفاف ضدها. وبهذا المعنى، فإن الصواريخ الإيرانية لم تغيّر فقط خريطة التوتر العسكري، بل أعادت رسم الخريطة الذهنية والسياسية للعلاقة بين الخليج وطهران.
لعل ما يزيد الوضع تعقيداً على إيران أن هذه الضربات ستمنح التيارات الأكثر تشدداً في المعسكر المقابل حجة أقوى للدفع نحو مزيد من التنسيق الدفاعي والسياسي، وربما نحو مراجعة أوسع لسياسات الانفتاح السابقة. فالدول التي راهنت على الدبلوماسية ستجد نفسها مضطرة إلى تبرير خيارات أكثر صلابة أمام شعوبها ومؤسساتها، بعدما باتت الهجمات تمس السيادة والأمن الداخلي والبنية المدنية مباشرة.
في المحصلة، لا تقول بيانات الخليج اليوم فقط إن إيران انتهكت السيادة وعرّضت المدنيين للخطر، بل تقول، بين السطور، إن طهران كسرت آخر ما تبقى من الثقة مع جوارٍ حاول مدّ اليد، فإذا به يتلقى الصواريخ. ومن هنا، فإن أخطر ما خسرته إيران قد لا يكون بصورة منشأة أو مطار أو ميناء، بل خسارة البيئة السياسية التي سعت هذه الدول إلى بنائها معها: بيئة تسمح بالخلاف، لكن تمنع الانفجار.
بعد هذه الموجة، يبدو أن الخليج لم يعد يرى في إيران جاراً صعباً فحسب، بل تهديداً مباشراً لا يمكن التعامل معه بالرهان القديم نفسه. وما كان يمكن احتواؤه سابقاً عبر التهدئة والوساطات والرسائل الدبلوماسية، صار اليوم ملفاً أمنياً وسيادياً مفتوحاً على احتمالات أشد قسوة، ليس على المنطقة وحدها، بل على إيران نفسها، التي تجد أنها، بضربها الجوار الأقرب، سرّعت عزلتها بدل أن تخففها، ووسّعت خصوماتها بدل أن تحاصر أزمتها.















