لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي يدور فقط حول النموذج الأكثر قدرة، أو الشركة الأقرب إلى تطوير ذكاء اصطناعي عام. فخلال العامين الأخيرين، تشكل حول هذا السباق اقتصاد مادي ومالي كامل يضم مصانع الرقائق، ومراكز البيانات، وشركات الطاقة، ومزودي الخدمات السحابية، وأسواق السندات والائتمان الخاص، فضلاً عن صناديق الاستثمار السيادية.
ومع اتساع هذه الشبكة، تبدل السؤال الذي يواجه المستثمرين، من “من سينتج النموذج الأفضل؟” إلى “هل تستطيع الإيرادات التي تولدها تطبيقات الذكاء الاصطناعي اللحاق بحجم رأس المال الذي يجري إنفاقه مقدماً لبناء البنية التحتية؟”
هذا التحول هو شرارة التحذير الذي نُشر في مقال لـ “ماركت ووتش” بشأن احتمال اقتراب “لحظة ليمان براذرز” للذكاء الاصطناعي، رغم المبالغة الواضحة في المقارنة. فالمشكلة التي يثيرها المقال ليست أن التكنولوجيا بلا قيمة، بل أن استمرار الدورة الحالية أصبح يتطلب تدفقات مالية متزايدة، وعقوداً أطول، وديوناً أكبر، قبل أن تتضح بصورة نهائية قدرة الصناعة على تحقيق عائد يتناسب مع حجم الاستثمار.
المال يسبق الأرباح
تظهر “أوبن إيه آي” في مركز هذه المعادلة؛ ليس لأنها الشركة الوحيدة التي تطور نماذج متقدمة، بل لأنها أصبحت من أكبر المشترين المتوقعين للقدرة الحاسوبية في العالم.
وتشير بيانات أوردتها “رويترز”، نقلاً عن وثائق قُدمت إلى المساهمين ولم تتحقق منها الوكالة بصورة مستقلة، إلى أن إيرادات الشركة بلغت 5.7 مليار دولار خلال الربع الأول من 2026، لكنها استهلكت نحو 3.7 مليار دولار نقداً خلال الفترة نفسها. وكانت تقديرات سابقة قد أشارت إلى احتمال وصول الاستهلاك النقدي التراكمي إلى نحو 115 مليار دولار حتى عام 2029.
هذه الأرقام لا تعني أن نموذج “أوبن إيه آي” فاشل. فالإيرادات تنمو بسرعة، وقاعدة المستخدمين ضخمة، والطلب المؤسسي على أدوات الذكاء الاصطناعي قائم. لكنها تكشف أن النمو ذاته يحتاج إلى إنفاق أكبر على التدريب والاستدلال والخوادم والطاقة قبل أن يتحول إلى تدفقات نقدية مستقرة.
بمعنى آخر، كل مستخدم جديد لا يمثل إيراداً فقط؛ بل يولد أيضاً تكلفة حوسبة. وكل نموذج أكثر تقدماً يحتاج إلى بنية تحتية أغلى. لذلك تختلف اقتصاديات الذكاء الاصطناعي التوليدي عن اقتصاديات البرمجيات التقليدية، التي كانت تستطيع إضافة ملايين المستخدمين بتكلفة هامشية محدودة نسبياً.
الخطر يبدأ عندما يصبح تمويل النمو المقبل معتمداً على الاقتناع بأن جولة الاستثمار التالية ستصل في موعدها، وأن أسواق الدين ستظل مفتوحة، وأن شركات البنية التحتية ستواصل بناء قدرة حاسوبية قبل تحقق العائد النهائي عليها.
الحلقة التي تموّل نفسها
لم يعد رأس المال يتحرك في اتجاه واحد من المستثمر إلى شركة التكنولوجيا. لقد نشأت دائرة يعيد فيها أطراف المنظومة تمويل بعضهم بعضاً.
استثمرت “سوفت بنك” حتى 31 مارس 2026 نحو 34.6 مليار دولار تراكمياً في “أوبن إيه آي”، ثم قررت ضخ 30 مليار دولار إضافية. ولتمويل هذه الخطوة، دخلت المجموعة في تسهيل ائتماني قيمته 40 مليار دولار. هنا لا يمول المستثمر الشركة من فوائض نقدية فقط؛ بل يقترض كي يمولها، على أساس أن ارتفاع قيمتها المستقبلية سيبرر تكلفة التمويل الحالية.
وفي حلقة أخرى، اقتربت “إنفيديا” من استثمار نحو 30 مليار دولار في “أوبن إيه آي” ضمن جولة تمويل كبرى، فيما يُتوقع أن يُستخدم جزء كبير من الأموال في شراء المعالجات والأنظمة التي تنتجها صانعة الرقائق العملاقة نفسها. ولا يجعل ذلك الصفقة صورية؛ فالحاجة إلى شرائح الذكاء الاصطناعي حقيقية، لكنه يعني أن المورد يساعد على تمويل الطلب الذي سيعود إليه في صورة مبيعات.
وتتكرر العلاقة مع شركة “كورويف”، التي حصلت على عقود من “أوبن إيه آي” بقيمة 22.4 مليار دولار، بينما حصلت الأخيرة على حصة في “كورويف” ضمن الاتفاقات الأولى بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، تنفق “كورويف” عشرات المليارات على مراكز البيانات والخوادم كي تستطيع تنفيذ تلك العقود.
هذا هو جوهر التمويل الدائري: شركة نماذج تجمع المال من المستثمرين، ثم تلتزم بشراء الحوسبة من شركات البنية التحتية؛ تلك الشركات تستخدم العقود للحصول على الديون وشراء الرقائق؛ بعض موردي الرقائق والمستثمرين يعودون لتمويل شركة النماذج كي تبقى قادرة على الوفاء بالتزاماتها.
لا تعني الدائرة بالضرورة وجود فقاعة. لكنها تجعل كل طرف معتمداً على سلامة الأطراف الأخرى، وتقلل قدرة السوق على التمييز بين الطلب النهائي الذي يدفعه العملاء، والطلب الوسيط الذي تحركه العقود والاستثمارات المتبادلة.
أرباح مستقبلية تموّل أصولاً قائمة
تظهر “أوراكل” بوصفها الحلقة الأكثر وضوحاً في انتقال طفرة الذكاء الاصطناعي من ميزانيات شركات التكنولوجيا إلى أسواق الائتمان.
وأنفقت الشركة 55.66 مليار دولار من رأس المال خلال سنتها المالية 2026، متجاوزة هدفها السابق، ثم أعلنت إمكان ارتفاع الإنفاق إلى 95 مليار دولار في السنة المالية التالية. كما تعتزم جمع قرابة 40 ملياراً أخرى من الديون وحقوق الملكية لتمويل التوسع، في وقت تعاني فيه تدفقات نقدية حرة سالبة.
تمتلك “أوركل” طلباً تعاقدياً ضخماً؛ إذ وصلت التزامات الأداء المتبقية لديها إلى 638 مليار دولار. لكن أكثر من نصف هذه الالتزامات يرتبط بـ “أوبن إيه آي”، وفق تقييمات “ستاندرد آند بورز”. وهذا التركّز كان أحد العوامل التي دفعت الوكالة إلى خفض التصنيف الائتماني للشركة إلى “BBB-“، أي درجة واحدة فقط فوق نطاق السندات مرتفعة المخاطر.
المفارقة هنا أن دفتر الطلبات يبدو قوياً، لكن تنفيذه يحتاج إلى إنفاق نقدي وديون في الوقت الحاضر، بينما ستدخل الإيرادات على سنوات. وإذا تباطأ العميل الرئيسي، أو أُعيد التفاوض على العقود، أو انخفضت أسعار الحوسبة نتيجة تحسن كفاءة النماذج، فقد تجد الشركة نفسها أمام أصول مرتفعة التكلفة بعوائد أقل من المتوقع.
هذا لا يجعل “أوركل” نسخة من “ليمان براذرز”، لكنه يحولها من شركة برمجيات ذات تدفقات نقدية مستقرة إلى ممول ومشغل لبنية تحتية كثيفة رأس المال، وأكثر حساسية لأسعار الفائدة وجودة الائتمان وتركيز العملاء.
الذكاء الاصطناعي يدخل أسواق الدين
لم تعد الاستثمارات ممولة بالكامل من الاحتياطيات النقدية لشركات التكنولوجيا الكبرى.
خلال سبتمبر وأكتوبر 2025 وحدهما، أصدرت شركات تكنولوجيا أمريكية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً استثمارية بقيمة 75 مليار دولار، أي أكثر من ضعفي متوسط الإصدار السنوي للقطاع بين 2015 و2024. كما بدأت سندات مرتفعة العائد، وائتمان خاص، وهياكل تمويل خارج الميزانية، وأوراق مالية مدعومة بأصول مراكز البيانات، تؤدي دوراً متزايداً في تمويل التوسع.
وتقدّر “مورغان ستانلي” أن الائتمان الخاص قد يوفر أكثر من نصف التمويل المطلوب لبناء مراكز البيانات حتى 2028. والخطر في هذه القناة ليس أنها غير مشروعة أو غير مألوفة، بل أنها أقل شفافية وسيولة من أسواق السندات العامة، وقد يصبح تسعيرها صعباً في حال تراجع الثقة أو ارتفاع حالات التعثر.
هنا يصبح وصف الطفرة بأنها منافسة تكنولوجية غير كافٍ. فالذكاء الاصطناعي بات دورة ائتمانية أيضاً: العقود المستقبلية تسمح بالاقتراض، والاقتراض يمول مراكز البيانات، ومراكز البيانات ترفع الطلب على الرقائق والطاقة، ثم تستخدم الإيرادات المتوقعة لتبرير مزيد من الاقتراض.
لماذا لا تزال الطفرة حقيقية؟
رغم ذلك، سيكون من الخطأ التعامل مع المشهد باعتباره فقاعة بلا أساس اقتصادي. فقد أعلنت “مايكروسوفت” أن نشاطها في الذكاء الاصطناعي تجاوز معدل إيرادات سنوية يبلغ 37 مليار دولار، بينما ارتفعت إيرادات “أزور” والخدمات السحابية الأخرى 40% خلال الربع المنتهي في مارس 2026. وبلغ إنفاق الشركة الرأسمالي الفصلي 31.9 مليار دولار، مع إقرارها بأن الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يضغط على هوامش الربح السحابية.
كما ارتفعت إيرادات “غوغل كلاود” في الربع الأول إلى 20 مليار دولار، مع وصول الدخل التشغيلي إلى 6.6 مليار دولار، فيما بلغ حجم العقود المتراكمة 462 مليار دولار. وأنفقت “ألفابت” خلال الربع 35.7 مليار دولار، كان معظمها موجهاً إلى البنية التحتية التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وفي قاعدة سلسلة التوريد، سجلت TSMC التايوانية أرباحاً فصلية قياسية تقارب 22 مليار دولار، بزيادة 77%، ورفعت خططها الاستثمارية مع استمرار الطلب على الرقائق المتقدمة. هذه ليست أرقام صناعة بلا عملاء أو إيرادات.
لكن وجود طلب حقيقي لا يلغي احتمال الإفراط في البناء. فالسكك الحديدية والإنترنت والاتصالات المحمولة كانت جميعها تقنيات حقيقية غيّرت الاقتصاد، ومع ذلك مرت بدورات استثمار تجاوزت الحاجة الفعلية في بعض المراحل، وانتهت بانهيار شركات وممولين من دون أن تختفي التكنولوجيا نفسها.
كيف تبدأ العدوى؟
لا يحتاج سيناريو التصحيح إلى إفلاس “أوبن إيه آي”، يكفي أن تتباطأ إيراداتها، أو ترتفع تكلفة التمويل، أو تتأخر جولة استثمارية، أو تثبت نماذج أقل تكلفة قدرتها على تقديم أداء مقارب، كي تبدأ الشركة في تخفيض التزامات الحوسبة أو إعادة التفاوض عليها.
عندها تنتقل الصدمة عبر خمس قنوات:
أولاً، تراجع الطلب المتوقع على الحوسبة لدى “أوراكل” و”كورويف” ومزودي السحابة.
ثانياً، انخفاض الحاجة إلى بناء مراكز بيانات جديدة، وإعادة تسعير الأصول القائمة.
ثالثاً، ارتفاع علاوات المخاطر على السندات والقروض المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
رابعاً، تباطؤ طلبيات المعالجات والذاكرة ومعدات الشبكات والطاقة.
خامساً، انخفاض تقييمات الأسهم التي بُنيت على استمرار الإنفاق الرأسمالي بمعدلات استثنائية.
هذه ليست عدوى مصرفية مشابهة تماماً لعام 2008. شركات مثل “مايكروسوفت” و”ألفابت” و”أمازون” تمتلك أعمالاً مربحة وميزانيات قادرة على امتصاص الخسائر، ولا تعتمد الصناعة على الرفع المالي المصرفي نفسه الذي سبق أزمة الرهن العقاري.
لكن التشابه الجزئي يكمن في ترابط الالتزامات، واعتماد قيمة الأصول الحالية على تدفقات مستقبلية بعيدة، وانتقال جانب من المخاطر إلى الائتمان الخاص والهياكل المالية الأقل وضوحاً.
الاختبار لم يبدأ بعد
طفرة الذكاء الاصطناعي ليست وهماً، لكنها لم تثبت بعد أن أرباحها النهائية ستوازي حجم البنية المالية التي بُنيت حولها.
توجد إيرادات حقيقية، ومنتجات فعالة، وطلب مؤسسي متزايد. وفي المقابل، توجد التزامات بمئات المليارات، وإنفاق رأسمالي غير مسبوق، وديون وائتمان خاص، وعلاقات تمويلية تجعل المورد مستثمراً، والعميل مساهماً، والمستثمر مقترضاً.
والسؤال الحاسم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد. الأرجح أنه سيفعل. السؤال هو من سيظل قادراً على تمويل هذا التغيير حتى تصل الإيرادات إلى الحجم الذي تَعِد به التقييمات والعقود.
إذا وصلت الأرباح أولاً، ستتحول الطفرة إلى بنية اقتصادية طويلة الأجل. أما إذا وصلت كلفة رأس المال قبلها، فلن ينهار الذكاء الاصطناعي، لكن الشبكة المالية التي بُنيت حوله ستدخل اختباراً قد يعيد توزيع الأرباح والخسائر عبر قطاع التكنولوجيا والأسواق العالمية.















