تطوي واشنطن صفحة امتدت 47 عاماً من تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، لكنها لا تفتح أمام دمشق طريقاً بلا شروط؛ فقرار إلغاء التصنيف وشطب “هيئة تحرير الشام” من قوائم الإرهاب يعكس تحولاً أعمق من مجرد إجراء قانوني؛ إذ يعيد إدماج سوريا في النظام الدولي مقابل دور أمني وسياسي جديد، ويمنح السلطة في دمشق فرصة استثنائية لإعادة بناء الاقتصاد والدولة. في المقابل، تصبح هذه السلطة أمام اختبار مختلف: هل تستطيع تحويل الاعتراف الخارجي إلى دولة مستقرة تحتكر السلاح، وتحمي مكوناتها، وتضبط حدودها، وتلتزم بالتعهدات التي صنعت هذا الانفتاح؟
من هذه الزاوية، لا يبدو القرار الأمريكي “صك غفران”، بل صفقة مصالح متبادلة. واشنطن تحتاج إلى سوريا مستقرة وقادرة على مكافحة تنظيم “داعش” واحتواء النفوذ الإيراني، بينما تحتاج دمشق إلى الشرعية الدولية والاستثمار وإعادة الإعمار. وبين المصلحتين، انتقلت سوريا من موقع الدولة المعاقبة إلى موقع الشريك المشروط.
صفقة أمنية متعددة الأبعاد
ربطت الإدارة الأمريكية إنهاء التصنيف بالإجراءات التي اتخذتها حكومة أحمد الشرع والتزاماتها الأمنية، وفي مقدمتها التعاون ضد التنظيمات الإرهابية، ومواجهة الشبكات المرتبطة بإيران و”حزب الله”، ومنع تحول الأراضي السورية مجدداً إلى منصة لتهديد المصالح الأمريكية وحلفائها.
يعكس هذا التحول إعادة رسم وظيفة سوريا الإقليمية؛ فدمشق التي كانت ركناً أساساً في المنظومة الإيرانية خلال عهد بشار الأسد، تتحرك اليوم باتجاه منظومة مختلفة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والتركية والخليجية.
وفي هذا الصدد، لا تكتفي الولايات المتحدة بإزالة معوق قانوني أمام سوريا، بل تراهن على دولة جديدة تساعد في تقليص المساحة التي شغلتها إيران وروسيا خلال السنوات الماضية.
في المقابل، تحصل دمشق على مكسب بالغ الأهمية: إزالة واحدة من أقدم العقبات أمام عودتها إلى النظام المالي والاقتصادي الدولي، وفتح الطريق أمام استثمارات تحتاج إليها لإعادة بناء بلد دمرته الحرب.
من الفصيل إلى الدولة
لكن رفع اسم “هيئة تحرير الشام” من القوائم الأمريكية لا ينهي تلقائياً إرث مرحلة الفصائل. التحدي الحقيقي أمام الشرع هو تحويل القوة التي قادت الحرب إلى مؤسسات دولة لا تخضع للولاءات الشخصية أو التنظيمية.
وتحتاج دمشق إلى بناء جيش وطني موحد، وأجهزة أمنية مهنية، وسلسلة قيادة واضحة، وقواعد قانونية تمنع انتشار السلاح خارج المؤسسات، فنجاح السلطة في السيطرة على الأرض لا يساوي بالضرورة نجاحها في بناء الدولة.
يكتسب هذا الملف أهمية أكبر بعد الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لإتمام دمج مؤسساتها العسكرية والأمنية في الدولة، والتخلص من أحد أكبر مصادر الانقسام المسلح. مع ذلك، فهو لا ينهي الخلافات السياسية المرتبطة بالإدارة المحلية والحقوق الثقافية واللغة الكردية وتوزيع الصلاحيات.
وهنا ستواجه دمشق معادلة دقيقة: توحيد القرار السيادي من دون تحويل المركزية إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع.
اختبار المكونات السورية
يمتد الاختبار إلى الجنوب والمناطق التي شهدت توترات طائفية خلال المرحلة الانتقالية. إن السلطة الجديدة تحتاج إلى إقناع العلويين والمسيحيين والدروز وغيرهم بأن الدولة لا تقوم على غلبة الأكثرية، بل على مواطنة متساوية.
ويعني ذلك أن الاعتراف الدولي، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده إنتاج شرعية داخلية. الشرعية تُبنى عبر مؤسسات قادرة على حماية المواطنين، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وإطلاق مسار جدّي للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
وإذا نجحت دمشق في ذلك، يمكن للانفتاح الخارجي أن يتحول إلى رافعة للاستقرار. أما إذا بقيت الملفات الداخلية معلقة، فقد يتحول الاعتراف الدولي إلى غطاء مؤقت لصراع مؤجل.
اقتصاد أمام امتحان جديد
يفتح رفع التصنيف والعقوبات المجال أمام مرحلة اقتصادية مختلفة، لكنه لا يضمن نجاحها. فسوريا تحتاج إلى استثمارات هائلة لإعادة تأهيل الكهرباء والمياه والطرق والمصانع والمدن المتضررة، بينما يبقى اقتصادها مثقلاً بسنوات الانكماش وتراجع الإنتاج وهجرة الكفاءات. كما تحتاج الحكومة إلى إعادة هيكلة القطاع العام، وتطوير القطاع الخاص، وإصلاح النظام المصرفي، وتوفير بيئة قانونية تحمي المستثمرين.
وهنا تتغير طبيعة المسؤولية. فقد كانت العقوبات خلال السنوات الماضية عاملاً أساساً في عزل الاقتصاد السوري، أما بعد رفع القيود الكبرى، فسيصبح أداء الحكومة نفسها أكثر وضوحاً في تحديد النتائج.
وبين الحالتين، لن يكون المستثمر الخليجي أو التركي أو الغربي معنياً فقط بغياب العقوبات، بل باستقرار القوانين، وحماية الملكية، واستقلال القضاء، ووضوح الضرائب، وقدرة الدولة على منع الفساد والابتزاز. لذلك، فإن رفع العقوبات يفتح الباب، لكنه لا يجذب الأموال وحده.
العودة تضاعف الضغوط
تفرض عودة اللاجئين والنازحين تحدياً موازياً؛ فعودة ملايين السوريين يمكن أن تمنح السلطة الجديدة مكسباً سياسياً، لكنها ستضع الخدمات العامة وسوق العمل والبنية التحتية تحت ضغط هائل؛ فاللاجئ العائد يحتاج إلى منزل ومدرسة وفرصة عمل وخدمات صحية، وليس فقط إلى قرار يسمح له بعبور الحدود.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعم الدولي لإعادة الإعمار يصبح جزءاً من معادلة الاستقرار نفسها. وإذا سبقت العودة قدرة الدولة على استيعابها، فقد تنتقل الأزمة من مخيمات اللجوء إلى المدن والبلدات السورية، على شكل بطالة وفقر وتنافس على الموارد.
واشنطن تبقي أدوات الضغط
لا يعني إنهاء التصنيف أن الولايات المتحدة تخلت عن سياسة الضغط، كون الإدارة الأمريكية تستطيع الإبقاء على عقوبات تستهدف أفراداً وكيانات مرتبطة بالنظام السابق أو بإيران و”حزب الله”، كما تستطيع استخدام التعاون الأمني والاقتصادي معياراً لاستمرار الانفتاح.
وبذلك، يصبح المسار السوري قائماً على معادلة واضحة: كلما التزمت دمشق بالتعهدات، اتسعت مساحة الانفتاح؛ وكلما تراجعت عنها، بقيت أدوات الضغط جاهزة.
وتتوافق هذه السياسة مع مصلحة أوروبية أيضاً بأن ترى سوريا مستقرة، فهذا يعني فرصاً أكبر لعودة اللاجئين وتراجع دوافع الهجرة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى معالجة ملفات حقوق الإنسان والحكم الرشيد، وهي ملفات لن تختفي بمجرد رفع اسم سوريا من لائحة الإرهاب.
بداية الاختبار الحقيقي
يضع قرار 24 آب/أغسطس سوريا أمام مرحلة لا يمكن فيها فصل الشرعية الخارجية عن الأداء الداخلي. فقد أزيلت واحدة من أثقل القيود التي عطلت الاقتصاد والدبلوماسية، وأصبحت دمشق أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء علاقاتها الدولية وجذب الاستثمارات واستعادة موقعها الإقليمي.
لكن الفرصة تحمل معها مسؤولية غير مسبوقة؛ فالحكومة لم تعد قادرة على تبرير كل إخفاق بالعقوبات أو العزلة أو إرث النظام السابق. ومع اتساع هامش الحركة الخارجية، ستصبح نتائج سياساتها الداخلية أكثر قابلية للقياس والمحاسبة. أما تحويل هذه الفرصة إلى دولة مستقرة، تحتكر السلاح وتحمي مواطنيها وتستقطب الاستثمار، فهو الثمن الحقيقي الذي ستدفعه سوريا مقابل عودتها إلى الحضن العالمي.















