بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

اضطهاد ديني (4-8)

من حرب الجنوب إلى صراع 2023: الحريات الدينية في السودان بين الخلل البنيوي وتصاعد استهداف المسيحيين

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

تتسم أوضاع الحريات الدينية في السودان بالتعقيد، نتيجة تأثرها بالسياسات الحكومية والتطورات الأمنية، ما ينعكس سلباً على المسيحيين والمسلمين على حد سواء. جوهر الأزمة يتمثل في خلل «بنيوي»، غذّاه التوجيه الأيديولوجي الإخواني للحروب التي اندلعت خلال العقود الثلاثة الماضية في مناطق تركز الوجود المسيحي، لا سيما الجنوب، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وهي حروب انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011.

رغم تعرّض المسلمين أحياناً لضغوط، خاصة في سياقات تسييس الدين أو النزاعات المحلية، فإن سكان المناطق ذات الأغلبية المسيحية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، واجهوا آلة حرب مؤدلجة ذات بُعد ديني. إذ استخدم نظام الإخوان، عقب استيلائه على السلطة عام 1989، شعارات جهادية لإخضاع تلك المناطق، ما أسفر عن مقتل مئات الآلاف، وخلّف آثاراً عميقة على حياة السكان.

ومع اندلاع الحرب الحالية في منتصف أبريل 2023، عادت معظم الجماعات المتشددة التي كانت تقاتل باسم الدين، مثل قوات الدفاع الشعبي وكتائب البراء، إلى رفع الشعارات نفسها التي استُخدمت خلال تسعينيات القرن الماضي. وفي ظل الفوضى الأمنية الناتجة عن الحرب وتفكك مؤسسات الدولة، تفاقمت معاناة المسيحيين، ما دفع منظمة «أبواب مفتوحة» إلى تصنيف السودان في المرتبة الخامسة ضمن أخطر دول العالم على المسيحيين.

محاولات عزل ممنهجة

منذ إعلان قوانين الشريعة الإسلامية في عهد الرئيس الراحل جعفر نميري عام 1983، تعرّض المسيحيون لمضايقات متواصلة دفعت بعشرات الآلاف إلى الهجرة خارج البلاد.

 كما أسهم تمركز الحروب التي قادها الجيش في مناطق وجود المسيحيين بجنوب كردفان والنيل الأزرق في تعميق معاناة السكان، ما دفع مراقبين إلى اتهام جماعات الإسلام السياسي التي قادت تلك الحروب باتباع سياسة عزل ممنهجة للمجموعات الدينية الأخرى، وفي مقدمتها المسيحيون.

يعبّر عن هذه الرؤية الباحث والأستاذ في الجامعات الأميركية خالد كودي، الذي يرى أن «بنية الدولة السودانية، منذ تشكّلها الحديث بعد الاستقلال، لم تُصمَّم كدولة تعددية تعترف بالتنوع الديني والإثني والثقافي، بل قامت على تصور أحادي إقصائي يفترض هوية واحدة وثقافة مهيمنة ودينًا رسميًا غير قابل للمساءلة».

يصف كودي هذا الخلل بأنه «بنيوي»، موضحاً أنه لم يكن طارئاً أو عرضياً، بل خياراً سياسياً واعياً. ويضيف أن التجربة الاجتماعية في جبال النوبة والنيل الأزرق تمثل نقيضًا لذلك النموذج، حيث يُمارس التعدد الديني يومياً بوصفه جزءاً من النسيج الاجتماعي. إذ تضم الأسرة الواحدة مسلماً ومسيحياً وأتباع معتقدات إفريقية تقليدية، دون أن يُنظر إلى هذا التنوع على أنه تهديد أو خلل أخلاقي.

كما يتهم كودي الأنظمة المتعاقبة، ولا سيما خلال فترة حكم الإخوان، بعدم التعامل مع هذا الواقع بوصفه ثراءً إنسانيًا، بل باعتباره «عقبة يجب إزالتها». ويضيف: «فُرضت الأسلمة القسرية عبر التعليم والقوانين وأجهزة الأمن، وشُنّت حروب إبادة في جبال النوبة والنيل الأزرق استهدفت المدنيين على أساس ديني وإثني، ودُمّرت الكنائس، وأُغلقت المدارس التبشيرية، وجُرّم العمل الديني غير الإسلامي».

معاناة مستمرة

لم تفصل سوى دقائق قليلة فيليب توتو عن الموت في صبيحة الخامس والعشرين من ديسمبر 2025. فحين وصل إلى موقع أُقيم فيه قداس أعياد الميلاد في إحدى مناطق جنوب كردفان، واجه مشهداً مروّعاً لجثث متفحمة وأخرى ممزقة، وجرحى يتألمون، عقب هجوم بطائرة مسيّرة وُجّهت أصابع الاتهام فيه إلى الجيش السوداني.

ورغم انفصال جنوب السودان، الذي يشكل المسيحيون نحو 60% من سكانه البالغ عددهم قرابة 12 مليون نسمة، لا يزال المسيحيون في جنوب كردفان والنيل الأزرق ومناطق أخرى، والذين يُقدَّرون بنحو 6% من سكان السودان الحالي البالغ عددهم قرابة 48 مليون نسمة، يواجهون “معاناة صامتة”. وتتجسد هذه المعاناة في واقع يتجاوز التمييز ليصل إلى استهداف مباشر يهدد الوجود ذاته، حيث أُغلقت أو دُمّرت أكثر من 165 كنيسة خلال الحرب الحالية.

ويقول توتو: “إن خطر استهداف المسيحيين في جنوب كردفان في تصاعد منذ عام 2011، لكنه بلغ مستويات غير مسبوقة خلال الحرب الحالية، حيث تبدو عمليات القصف الجوي وكأنها تستهدف تجمعات المسيحيين بشكل خاص”.

حرمان من الغذاء والوصول الإنساني

يتهم مراقبون الجيش والمجموعات الإسلامية المتحالفة معه باستخدام سلاح الحرمان من الغذاء ومنع الوصول الإنساني ضد المسيحيين، الذين يشكلون النسبة الأكبر من سكان مناطق جنوب كردفان، وهي مناطق أكد برنامج الغذاء العالمي وقوع مجاعة فعلية فيها.

ويشير هؤلاء إلى تضييق متعمد تفرضه السلطات لإعاقة وصول المنظمات الإنسانية. وتقول الناشطة المجتمعية فريدة عبوش: “إن الكثير من السكان في جنوب كردفان يقضون أياماً كاملة دون طعام، فيما يكتفي البعض بوجبة واحدة يومياً”.

وتتهم عبوش مجموعات نافذة في السلطة بإعاقة وصول المساعدات، موضحة أن مناطق جنوب كردفان خضعت منذ اندلاع الحرب عام 2011 لتضييق شديد من الحكومة المركزية حال في كثير من الأحيان دون وصول المنظمات الإنسانية، ما فاقم من معاناة السكان. وتشير إلى أن لهذا الواقع بُعداً دينياً واضحاً، نظراً لأن هذه المناطق تمثل مركز الثقل المسيحي في السودان. 

في ديسمبر 2024، قصف طيران الجيش مكتب برنامج الغذاء العالمي في منطقة يابوس بولاية النيل الأزرق، وهي منطقة ذات غالبية مسيحية أو ذات غالبية غير مسلمة، ما دفع البعض إلى اتهام السلطة العسكرية بمحاولة تجويع المدنيين.

ويرى الباحث خالد كودي أن هناك استخداماً ممنهجاً للجوع والنزوح والقصف الجوي ومنع الإغاثة لإخضاع المجتمعات “غير المنسجمة” مع المشروع الأيديولوجي للدولة، مؤكداً أن “هذه الجرائم لم تكن مجرد تجاوزات، بل سياسة دولة مكتملة الأركان تستهدف محو التعدد الديني نفسه، لا تنظيمه”.

دافع رئيسي لانفصال الجنوب

يحمّل مراقبون شعارات التطرف الديني، التي رافقت حملات الجيش السوداني في حرب الجنوب خلال تسعينيات القرن الماضي، مسؤولية دفع سكان الجنوب للتصويت لصالح الانفصال في استفتاء عام 2011، ما أسفر عن فقدان السودان نحو ثلث مساحته الجغرافية وحوالي 25% من سكانه.

وخلال تلك الفترة، واجه المسيحيون في الجنوب حزمة معقدة من المخاطر شملت التمييز الديني، وانتهاكات حرية العبادة، واستهداف دور العبادة والممتلكات، فضلاً عن التهديدات المباشرة للسلامة الشخصية والنزوح القسري، وهي أوضاع تركت أثراً عميقاً على الوجود المسيحي وقدرته على ممارسة حقوقه الأساسية في ظل بيئة يغيب فيها حكم القانون.

وفي هذا السياق، يرى الناشط الحقوقي سايمون جبرائيل أن رفع الشعارات الجهادية للتجنيد في حرب الجنوب كان أحد أهم الأسباب التي دفعت الجنوبيين لاختيار الانفصال، مشيراً إلى أن نسبة التصويت التي بلغت نحو 98% جاءت مدفوعة بالشعور بالظلم والاضطهاد الديني.

ويقول جبرائيل: “رغم أنني وُلدت في الخرطوم ولم أرَ وطني الأم إلا بعد مغادرتي إلى نيروبي ثم أستراليا عام 1998، فإن الشعارات الجهادية التي صاحبت حملات الجيش جعلتني أشعر بعدم الأمان الديني، رغم بُعدي الجغرافي عن مناطق القتال”.