بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل جيوسياسي

من باب المندب إلى أرض الصومال.. أبعاد التحول الاستراتيجي في جبهة المواجهة الإسرائيلية اليمنية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تفرض التطورات العسكرية المتسارعة في البحر الأحمر وخليج عدن معادلة أمنية جديدة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية بين جماعة الحوثي (أنصار الله) وإسرائيل، بعدما تحوّلت الساحة اليمنية تدريجاً إلى إحدى أكثر الجبهات تأثيراً في توازنات الصراع الإقليمي منذ اندلاع الحرب في غزة. وبينما تواصل الجماعة توسيع نطاق عملياتها وخطابها السياسي، تعيد إسرائيل بدورها تقييم أولوياتها العسكرية والاستخبارية، في ظل تزايد المخاوف من تحول اليمن إلى مصدر تهديد مستدام يمتد من باب المندب إلى خليج عدن، وصولاً إلى القرن الإفريقي.

وعلى الرغم من أن المواجهة لا تزال تُدار ضمن قواعد ردع غير مباشرة، فإن التطورات الميدانية، إلى جانب التصريحات المتبادلة، تعكس ارتفاعاً في احتمالات التصعيد، خصوصاً مع دخول ملفات جيوسياسية جديدة إلى المشهد، أبرزها أرض الصومال (صوماليلاند)، الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال في العام 1991 ويدير شؤونه بصورة مستقلة بحكم الأمر الواقع، من دون اعتراف دولي واسع.

إسرائيل تعيد حساباتها الأمنية

خلال الأشهر الأخيرة، تقدم الملف اليمني في سلم أولويات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بعد سلسلة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أعلن الحوثيون تنفيذها باتجاه إسرائيل، إلى جانب عمليات استهداف السفن المرتبطة بها في البحر الأحمر.

وأظهرت هذه التطورات أن الجبهة اليمنية لم تعد تُعامل باعتبارها امتداداً ثانوياً للمواجهة الإقليمية، بل أصبحت تشكل تحدياً أمنياً يتطلب تعزيز منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر، ولا سيما في منطقة إيلات، إضافة إلى تكثيف الجهد الاستخباراتي لمراقبة القدرات العسكرية للحوثيين.

وفي هذا السياق، صعّد مسؤولون إسرائيليون من لهجتهم تجاه قيادة الجماعة؛ إذ توعد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس باستهداف زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، في مؤشر إلى أن خيار ملاحقة القيادات واستهداف قادة الصف الأول بات مطروحاً ضمن أدوات الردع الإسرائيلية، وإن لم يصدر إعلان رسمي عن تبني سياسة اغتيالات واسعة داخل اليمن. وتشير التقديرات إلى أن تنفيذ عمليات من هذا النوع يظل أكثر تعقيداً مقارنة بساحات أخرى، نظراً للبعد الجغرافي، وطبيعة البيئة اليمنية، والتداخل الإقليمي الشديد الذي يحيط بالملف.

تطوير القدرات الصاروخية اليمنية

في المقابل، يواصل الحوثيون العمل على تطوير منظوماتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، مع تركيز ملحوظ على زيادة المدى وتحسين دقة الإصابة ورفع الكفاءة التشغيلية.

وتشير تقارير غربية إلى استمرار اختبارات عسكرية مكثفة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة لرفع قدرات التوجيه، إلا أن الادعاءات المتعلقة بامتلاك صواريخ “فرط صوتية” أو منظومات قادرة على تجاوز الدفاعات الجوية الإسرائيلية بصورة مؤكدة لا تزال تفتقر إلى أدلة تقنية مستقلة. ويرى خبراء عسكريون أن التطوير الجاري يهدف بالدرجة الأولى إلى تحسين فعالية الصواريخ الباليستية والمسيّرات في بيئة قتالية معقدة، وليس بالضرورة إحداث تحول جذري في ميزان القوى.

كما لا توجد مؤشرات حاسمة على أن انخفاض وتيرة الهجمات خلال بعض الفترات كان تمهيداً لعملية واسعة، إذ قد يرتبط أيضاً بإعادة التموضع اللوجستي أو بإعادة توزيع الموارد العسكرية بما يتناسب مع تطورات الساحات الإقليمية ومقتضيات التنسيق مع قنوات “محور المقاومة”. وفي المقابل، تؤكد الجماعة في خطاباتها أنها مستعدة لتوسيع عملياتها إذا استمرت الحرب في غزة أو تعرض اليمن لهجمات إسرائيلية مباشرة، وهو ما يعزز المخاوف من انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعاً.

أرض الصومال والمعادلة الجيوسياسية

يمثل إدخال ملف أرض الصومال (صوماليلاند) إلى خطاب الحوثيين أحد أبرز المتغيرات في المشهد الإقليمي؛ فقد حذّر زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي من أي وجود أو نشاط إسرائيلي في الإقليم، معتبراً أن أي ترتيبات أمنية أو عسكرية هناك ستُعد تهديداً مباشراً للأمن اليمني وللملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل التقارير التي تحدثت عن تنامي التعاون الأمني بين إسرائيل وسلطات أرض الصومال، على الرغم من نفي مسؤولين في الإقليم وجود مفاوضات لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضيه. وتفرض هذه المعطيات التمييز بين التعاون الأمني أو التقني المحتمل، وبين الحديث عن وجود عسكري دائم، إذ لا تتوافر حتى الآن أدلة معلنة تؤكد إقامة قواعد إسرائيلية في الإقليم.

مع ذلك، فإن الموقع الجغرافي لأرض الصومال عند المدخل الجنوبي لخليج عدن، والمقابل للسواحل اليمنية، يمنحها أهمية استراتيجية استثنائية، سواء في حماية خطوط الملاحة الدولية أو في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في البحر الأحمر. ومن هذا المنطلق، ينظر الحوثيون إلى أي حضور إسرائيلي محتمل في المنطقة باعتباره جزءاً من معادلة تطويق جيوسياسي، فيما ترى إسرائيل أن تعزيز علاقاتها مع شركاء في القرن الإفريقي يندرج ضمن استراتيجية أوسع لحماية الملاحة ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

تبدو المنطقة أمام مسارين رئيسين خلال المرحلة المقبلة:

المسار الأول (استمرار الردع الخشن والمحسوب): أن تواصل إسرائيل تعزيز دفاعاتها وتوجيه رسائل ردع سياسية واستخبارية، بينما يحافظ الحوثيون على وتيرة عمليات محسوبة تستهدف الضغط على إسرائيل وحركة الملاحة المرتبطة بها من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا المسار يظل محكوماً بالرغبة الإقليمية الأوسع في الحفاظ على أدوات الضغط من دون الذهاب إلى حرب مفتوحة.

المسار الثاني (التصعيد الشامل): ويرتبط بإمكانية وقوع مواجهة كبرى إذا أقدمت إسرائيل على تنفيذ ضربات واسعة تستهدف البنية العسكرية للحوثيين أو نجحت في استهداف قيادات بارزة في الجماعة، وهو سيناريو قد يدفع إلى توسيع نطاق العمليات في البحر الأحمر والممرات الدولية، بما ينعكس على أمن التجارة والطاقة عالمياً.

وعلى الرغم من ارتفاع مستوى التصعيد، لا تبدو الأطراف الرئيسة معنية حالياً بحرب إقليمية مفتوحة، نظراً لما قد تفرضه من تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة على التجارة العالمية وأسواق الطاقة.

لم يعد اليمن مجرّد ساحة مساندة ضمن الصراع الإقليمي، بل تحول إلى أحد أبرز عناصر معادلة الردع في البحر الأحمر، فيما باتت التطورات في هذا الممر البحري ترتبط بصورة وثيقة بالتوازنات الممتدة من الخليج العربي إلى القرن الإفريقي. وبينما تتغير قواعد الاشتباك تدريجاً، يبقى الانتقال إلى مواجهة مباشرة واسعة رهناً بقرارات سياسية وعسكرية معقّدة، أكثر من ارتباطه بالقدرات العسكرية وحدها، الأمر الذي يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة من دون أن يكون أي منها محسوماً في المدى المنظور.