بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

لا توجد مقالات

تقرير اقتصادي

من “اليونيكورن” إلى “الزومبي”.. كيف حوّلت نهاية الأموال الرخيصة نجاح الشركات الناشئة إلى عبء استثماري وتقييمات معلّقة؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

بعدما اعتادت الأسواق خلال عقد من الطفرة التمويلية الاحتفاء بأسطورة “اليونيكورن”، أي الشركات التي تتجاوز قيمتها مليار دولار، ثم بشركات “الديكاكورن” التي تتخطى 10 مليارات دولار، وصولاً إلى “الهيكتوكورن” التي تزيد قيمتها على 100 مليار دولار، يواجه وادي السيليكون اليوم مسمى جديداً يهدد وجود ما سبق، إذ لم يعد الحديث عمّن يحقق قفزات قياسية في التقييمات، بل عن “اليونيكورن الزومبي”، وهي شركات احتفظت بألقابها المليارية على الورق، بينما تآكلت قيمتها الفعلية وأصبحت مطالبة بإثبات نموذجها الاقتصادي في سوق تغيّرت قواعد تمويلها.

تعكس هذه الظاهرة أحد أكبر التحولات التي يشهدها قطاع رأس المال الجريء منذ انتهاء عصر الأموال الرخيصة. وهنا تشير بيانات جامعة ستانفورد، إلى أن 332 من أصل نحو 1900 شركة “يونيكورن” حول العالم أعادت جمع تمويل حتى مايو/أيار 2026 عند تقييمات مساوية أو أقل من ذروتها السابقة، كما فقدت 212 منها بالفعل صفة “اليونيكورن” بعد هبوط قيمتها إلى أقل من مليار دولار، فيما لم تجمع 383 شركة أي تمويل جديد خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وهو ما يؤكد حالة الجمود التي تثير قلق المستثمرين، حتى وإن كانت بعض هذه الشركات لا تحتاج إلى تمويل جديد، بينما يجد عدد متزايد منها صعوبة في تبرير التقييمات القياسية التي حصل عليها خلال سنوات الطفرة.

تمويل ملياري وواقع مختلف

ظهر مصطلح “يونيكورن” في العام 2013 عندما أطلقته مستثمرة رأس المال الجريء إيلين لي لوصف الشركات الناشئة الخاصة التي تتجاوز قيمتها مليار دولار، وكان عددها آنذاك لا يتجاوز 39 شركة حول العالم.

لكن سنوات الفائدة المتدنية والتوسع النقدي بعد الجائحة غيرت المشهد بالكامل، إذ انضمت أكثر من 350 شركة جديدة إلى نادي “اليونيكورن” خلال العام 2021 وحده، بعدما تدفقت السيولة بصورة غير مسبوقة إلى صناديق رأس المال الجريء الباحثة عن عوائد مرتفعة في بيئة كانت فيها السندات وأسواق الدخل الثابت تقدم عوائد متواضعة.

ولم تكن هذه التقييمات تمثل أسعاراً حقيقية تحددها السوق بشكل يومي، بل كانت تستند إلى آخر جولة تمويل حصلت عليها الشركة، ما يعني أن شركة جمعت الأموال عند تقييم يبلغ 1.2 مليار دولار في 2021 يمكن أن تبقى مصنفة “يونيكورن” بغض النظر عما حدث لإيراداتها أو سوقها أو وضعها التنافسي في السنوات التي تلت ذلك، طالما لم تدخل جولة تمويل جديدة.

ومن هنا ولد مفهوم “اليونيكورن الزومبي”، أي شركة ما زالت تعمل، لكنها عالقة عند تقييم لم يعد يعكس واقعها الاقتصادي.

الفائدة المرتفعة قلبت المعادلة

كان انخفاض أسعار الفائدة بين 2019 و2022، خصوصاً في مرحلة ما بعد الجائحة، المحرك الرئيس لطفرة الشركات الناشئة، إذ ضخت صناديق التقاعد والجامعات والمؤسسات الاستثمارية أموالاً ضخمة في صناديق رأس المال الجريء سعياً وراء عوائد أعلى.

وفي الولايات المتحدة، بلغت قيمة الأموال التي جمعتها صناديق رأس المال الجريء نحو 223 مليار دولار في 2022، قبل أن تتراجع إلى 66.1 مليار دولار في 2025، وفق بيانات PitchBook وNVCA.  مع بدء البنوك المركزية، وعلى رأسها الفيدرالي الأمريكي، أكبر دورة تشديد نقدي منذ عقود.

وأدى ارتفاع تكلفة الأموال إلى إعادة تقييم الشركات التي تعتمد على نمو الأرباح المستقبلية. فبعدما أصبحت التدفقات النقدية المتوقعة أقل قيمة عند خصمها بأسعار الفائدة الجديدة، تراجعت شهية المستثمرين لتمويل الشركات التي تركز على النمو السريع دون تحقيق أرباح.

ثلاثة مخارج.. أُغلقت جميعها

تقليدياً، كان على الشركات الناشئة التي لا تستطيع زيادة قيمتها عن التقييم السابق أن تسلك ثلاثة مخارج رئيسة: الإدراج في البورصة، أو البيع لشركة أكبر، أو الشروع بجولة تمويل جديدة. غير أن هذه الخيارات أصبحت أكثر تعقيداً في البيئة الحالية.

فقد تراجعت الطروحات العامة المدعومة برأس المال الجريء في الولايات المتحدة من 198 شركة خلال 2021 إلى 42 فقط في 2022، قبل أن تتحسن بشكل محدود إلى 48 شركة في 2025، في ظل تشدد المستثمرين وارتفاع متطلبات الإدراج.

كما أن دخول البورصة عند تقييم أقل من آخر جولة تمويل، يعني اعتراف المستثمرين بخسائر ضخمة كانوا يؤجلون تسجيلها طالما بقيت الشركات خاصة.

في الوقت نفسه، أصبحت اتفاقيات الاستثمار تمنح المساهمين الرئيسيين حقوق اعتراض واسعة تمكنهم من تعطيل عمليات الطرح أو الاستحواذ إذا رأوا أنها لا تحقق القيمة التي يتوقعونها، وهو ما جعل العديد من الشركات عالقة بين المستثمرين والإدارة.

أما خيار الاستحواذ، فيواجه تحديات إضافية نتيجة تشديد الرقابة التنظيمية على صفقات التكنولوجيا الكبرى، إلى جانب تحول اهتمام المشترين نحو شركات الذكاء الاصطناعي بدلاً من شركات البرمجيات التقليدية أو التطبيقات الاستهلاكية التي تباطأ نموها.

شركات دفعت الثمن

خرجت هذه الظاهرة من نطاق التحليل النظري لتصبح واقعاً عاشته شركات كانت قبل سنوات قليلة من أبرز نجوم السوق الناشئ.

فقد هبط تقييم شركة “Klarna” السويدية من نحو 45.6 مليار دولار إلى 6.7 مليار دولار في إحدى أشهر جولات التمويل المخفضة، قبل أن تبدأ لاحقاً رحلة إعادة الهيكلة استعداداً للعودة إلى أسواق المال.

وخفضت “Checkout.com” تقييمها من نحو 40 مليار دولار إلى قرابة 11 ملياراً، في اعتراف صريح بأن تقييمات عصر الأموال الرخيصة لم تعد قابلة للاستمرار.

أما منصة “Hopin”، التي ازدهرت خلال جائحة كورونا وقفز تقييمها إلى نحو 7.8 مليار دولار، فاضطرت لاحقاً إلى بيع الجزء الأكبر من أعمالها بعد انحسار الطلب على خدمات الاجتماعات الافتراضية.