بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

مقالات مشابهة

سيولة نقدية

من الين إلى سندات الخزانة الأمريكية.. لماذا تدخلت واشنطن لحماية العملة اليابانية وما الذي تخشاه الأسواق؟

بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

ضمن اللعبة الدقيقة لإدارة السياسات النقدية، يبدو بديهياً انخراط الحكومات في ضبط السيولة خدمة لاستقرار سعر الصرف، لكن أن تستنفر دولة ما جهودها لإنقاذ عملة بلد آخر، فذلك يبدو استثناءً. نهاية الأسبوع الماضي قررت الولايات المتحدة التدخل لدعم الين الياباني الذي بدأ منذ أشهر رحلة سقوط حر، في إجراء منسق مع اليابان لم يُشهد مثيل له منذ العام 2011، عندما أضر زلزال مدمر باقتصادها، ما أعطى إشارات قوية على مكانة الين في الاقتصاد العالمي.

تضمن التدخل عمليات شراء مشتركة للين لتعزيز قيمته مقابل الدولار، بعدما وصل إلى أدنى مستوياته في 40 عاماً. ومنذ التدخل الأخير، استعادت العملة اليابانية أكثر من 4% من قيمته، على الرغم من انخفاضها إلى ما دون 156 مقابل الدولار في بداية تداولات الاثنين.

ويعتقد على نطاق واسع أن وزارة الخزانة الأمريكية استخدمت اليورو، بدلاً من الدولار، لتمويل جزء من عمليات شراء الين، متجنّبة بذلك الضغط على العملة الأمريكية ومحافظة على سياستها الداعمة للدولار.

حدث مهم للأسواق

بالنسبة لسوق العملات العالمية، يعد التدخل المشترك بين الولايات المتحدة واليابان لوقف نزيف الين أحد الأحداث الأكثر أهمية في السنوات الأخيرة. فبينما اعتادت على هذا النوع من التدخلات التي تقع عادة على عاتق بنك اليابان وحده، رسمت المشاركة النشطة من جانب واشنطن صورة جديدة مفادها أن ضعف العملة اليابانية لم يعد مشكلة وطنية بحتة، بل تحول إلى قضية تتعلق بالاستقرار المالي العالمي.

أشارت بيانات بنك اليابان المركزي الاثنين، إلى أن طوكيو ربما أنفقت ما يصل إلى 36.58 مليار دولار لشراء الين خلال التدخل المشترك، ما يجعله أكبر إجراء يومي في تاريخها. وقد كانت النتيجة فورية: انخفض زوج الدولار/الين بأكثر من 4%، ما تسبب في واحدة من أقوى التحركات السعرية في سوق العملات خلال السنوات الأخيرة.

أوضحت وزارة المالية اليابانية، في بيانها الرسمي، أن عملية الشراء التي نُفذت يوم الجمعة الماضي بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية تهدف إلى “مواجهة التقلبات المفرطة والتحركات غير المنتظمة للين في الأشهر الأخيرة”. كما لم تستبعد إمكانية إجراء المزيد من “التدخلات المنسقة”.

دوافع واشنطن

تصميم الولايات المتحدة على التدخل الذي بدا توافقاً علنياً ونادراً في المصالح، يكشف دوافع أخرى. 

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأحد أن الولايات المتحدة تساعد اليابان في دعم الين “كبادرة صداقة ومساهمة في الاقتصاد العالمي”. تصريح يبدو متسقاً مع حالة التأهب الجيوسياسي المتواصلة، فالولايات المتحدة تجد في اليابان، جارة الصين، حليفاً رئيساً.

من جهة أخرى، أضافت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، بعداً آخر، فبعد تأكيده على “الدعم القوي للإجراءات الحاسمة التي اتخذتها طوكيو لتصحيح انخفاض قيمة الين بشكل كبير”، جدد دعوته لبنك اليابان لرفع أسعار الفائدة؛ ما يشير إلى قلق واشنطن من أن بطء وتيرة التشديد النقدي قد يترك اليابان متخلفة عن معركة التضخم. 

وعلى الرغم من رفع بنك اليابان الفائدة أخيراً، إلا أن السعر الرسمي لا يزال عند 1%، وهو أقل بكثير من النطاق الذي حدده الفيدرالي الأمريكي (3.50% – 3.75%).

هذا المطلب الأمريكي يحمل أهمية من منظور تجاري، فانخفاض قيمة الين بشكل مفرط يُحسّن القدرة التنافسية للصادرات اليابانية، في وقت جعل ترامب العجز التجاري ركيزة لاستراتيجيته في حروب التجارة. 

وتظهر أحدث البيانات أن الفائض التجاري الياباني مع الولايات المتحدة ارتفع إلى ما فوق 60 مليار دولار مدفوعاً بواردات المركبات والآلات. أحد أسباب اتساع هذا الفائض هو ضعف الين. 

من زاوية أخرى، وبعد حرب الشرق الأوسط وزيادة الاعتماد على الولايات المتحدة في مجال الطاقة بشكل ملحوظ، أصبحت اليابان من كبار مستوردي النفط والغاز المسال الأمريكيين. لذلك فإن الحفاظ على الاستقرار المالي واستقرار سعر الصرف لأحد شركائها الرئيسيين في مجال الطاقة يُعزز العلاقات التجارية ويُسهم في استدامة الطلب.

سوق الدين الأمريكي.. المحرك الأبرز

لا شك أن العلاقات التجارية بين واشنطن وطوكيو تشكل أهمية بالغة، ولكن العامل الجوهري هو الدور الذي تلعبه اليابان كضامن رئيس لسوق الدين الأمريكي، في ظل حقيقة مفادها أنها أكبر حامل أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية بقيمة تقارب 1.2 تريليون دولار.

ويبدو أن واشنطن تحاول من خلال تأهبها الأخير، تجنب تكرار تجارب سابقة خلفها ضعف العملة اليابانية، حين أجبرت طوكيو على التخلص من سندات الخزانة الأمريكية لتمويل جزء من مشترياتها من الين بغية تعزيز قيمته، الأمر الذي رفع عوائدها فقفزت معها تكاليف الاقتراض للأسر والشركات والحكومة الأمريكية نفسها. لكن هذه المرة، اختارت الخزانة الأمريكية شراء الين عبر بيع اليورو، ما يقلل الضغط على سوق الديون الأمريكية ويمنع ارتفاعاً جديداً في العوائد.

وتشير البيانات إلى أن عوائد السندات الأمريكية ارتفعت في الأشهر الأخيرة، إذ قفز العائد على السندات لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له في 19 عاماً عند نحو 5.2%. وبالمثل، ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.7%.

تكمن أهمية الأمر في أن الدين العام الأمريكي مستمر في الارتفاع مقترباً من حاجز 40 تريليون دولار. كما يتراكم العجز في الولايات المتحدة الذي من المتوقع أن يصل إلى نحو تريليوني دولار. ومن خلال تدخلها، تأمل إدارة ترامب ألا تتحول اليابان أيضاً إلى مصدر تهديد لاستقرار سوق الدين كما فعلت الصين التي باتت تمتلك سندات أمريكية بقيمة 659 مليار دولار فقط، بعد أن كانت حيازاتها تفوق 1.3 تريليون دولار في العام 2013.

رسالة قوية للأسواق

لقد بث العمل المنسق لاثنين من أكبر الاقتصادات في العالم، رسالة للأسواق بأن هناك إرادة قوية لتحقيق استقرار في سعر الصرف والحدّ من تحركات المضاربة. لكن، تبقى المخاوف من أن يكون التدخل مؤقتاً حاضرة في وقت يعتمد تطور سعر صرف الين على عوامل أخرى مثل فرق سعر الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان، والتضخم، والسياسة النقدية لبنك اليابان، فضلاً عن تطورات الاقتصاد الياباني. وما دامت هذه الأساسيات لا تتغير بشكل كبير، فإن التدخل المؤقت من الممكن أن يُكسب الوقت، لكنه لن يتمكن من تعديل الاتجاه طويل الأمد.

ما تجهله الأسواق حالياً ليس فقط مسار الين، بل أيضاً العواقب التي قد يخلفها مصيره. فعلى مدى عقود، جعلت أسعار الفائدة اليابانية المنخفضة الين واحداً من العملات الرئيسة لتمويل العمليات ذات الاستدانة العالية من خلال استراتيجيات ما يعرف بـ”تجارة المناقلة” (Carry Trade) التي يتم عبرها استثمار مليارات الدولارات في أصول ذات عائد أعلى باستخدام تمويل رخيص بالين. 

وإذا استمرت العملة اليابانية في الارتفاع، فقد يبدأ جزء من تلك المراكز في التراجع بسرعة، ما قد يحدث تقلبات حادة في أسواق المال. لذلك يكمن التحدي الحقيقي في قدرة الأسواق على التكيف مع سيناريو يتوقف فيه الين عن كونه مصدراً رخيصاً للتمويل العالمي. وهذا التحول قد يحدد جزءاً كبيراً من سلوك الأسواق خلال الفترة المقبلة.