بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

من “الهاغاناه” إلى “حماس” و”داعش”.. كيف صنعت الحركات المسلحة خرائط العنف والانقسام في الشرق الأوسط؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

في قلب صراعات الشرق الأوسط المتشابكة، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والأيديولوجيات الدينية والسياسية، تتكشف قصة حركات مسلحة شكلت محوراً رئيساً في تاريخ المنطقة المعاصر. من “الهاغاناه”، التي تحولت من تنظيم سري إلى مؤسسة عسكرية رسمية أرست قواعد الجيش الإسرائيلي، إلى “حماس” و”حزب الله”، وصولاً إلى الحركات الأصولية المتطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، و”القاعدة”، و”الحوثيين”، يبرز نمط من العنف المستمر والانقسامات الداخلية والسيطرة القسرية على المجتمعات.

على الرغم من شعاراتها “الدفاع عن الشعوب”، كثيراً ما حوّلت هذه الحركات حياة المدنيين إلى معاناة مستمرة، ودمّرت البنى التحتية، وأغرقت اقتصادات الدول في أزمات خانقة، بل وأسهمت في زعزعة استقرار الدول وزرع أجواء الخوف والعنف لفترات طويلة. قراءة هذه الظاهرة تفتح الباب أمام تساؤلات  جوهرية حول حدود فعالية المقاومة المسلحة، وإرثها على الاستقرار الإقليمي ومستقبل المجتمعات التي تتأثر بها.

“الهاغاناه”.. نموذج للتباين

تأسست حركة “الهاغاناه” في عشرينيات القرن العشرين كقوة دفاعية يهودية لحماية المستوطنات في فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وكانت تهدف أساساً إلى حماية المجتمع اليهودي من الهجمات المتكررة. غير أنه، من المنظور العربي والفلسطيني، بل وحتى البريطاني آنذاك، مارست الحركة أنشطة يمكن وصفها بالإرهابية أو شبه الإرهابية، خصوصاً خلال الفترة التي سبقت النكبة، بين عامي 1947 و1948، إذ شاركت في عمليات تفجير وتهجير قسري  طالت أهالي القرى الفلسطينية، ونفذت مجازر معروفة مثل دير ياسين (بالتعاون مع إتسل وليحي)، وأسهمت في خطة “دالت” التي هدفت إلى تفريغ مناطق عربية لتهيئة قيام الدولة اليهودية.

وعلى الرغم من طابعها العسكري، نجحت “الهاغاناه” في الانتقال من تنظيم سري إلى مؤسسة رسمية شكّلت العمود الفقري للجيش الإسرائيلي بعد العام 1948، ما يعكس قدرتها على التحول المؤسسي وتحقيق أهدافها ضمن إطار الدولة، بخلاف الحركات اللاحقة مثل “حماس” و”حزب الله” وغيرها من الحركات الأصولية في المنطقة، التي ظلت مرتبطة بالصراعات المستمرة والتوترات الداخلية والخارجية.

حماس: العنف الداخلي وأزمات المجتمع

نشأت حركة “حماس” في عام 1987 خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكنها منذ سيطرتها على غزة في العام 2007، تفاقمت الأزمات الداخلية نتيجة تحكمها المطلق في الحياة السياسية والاجتماعية. وأدى الإصرار على العمليات المسلحة ضد إسرائيل إلى خسائر واسعة بين المدنيين الفلسطينيين، وبرزت تلك الخسائر بشكل واضح خلال الحروب التي شنتها إسرائيل على غزة خلال الأعوام 2008 و2012 و2014 و2021، والتي أودت بحياة آلاف الفلسطينيين، من بينهم مئات الأطفال، وأسفرت عن دمار واسع للبنية التحتية.

وفي أعقاب الهجوم الأخير في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهد القطاع تصعيداً عسكرياً غير مسبوق ، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وتدمير إضافي للمرافق الحيوية، ما زاد من معاناة السكان بشكل حاد، وفق تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الإنسانية.

بالإضافة إلى ذلك، يعاني القطاع من أزمة اقتصادية خانقة، بسبب الحصار المستمر وسياسات الحكم الداخلي، مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتدهور الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والرعاية الصحية، ما يعكس محدودية قدرة الحركة على إدارة المجتمع بشكل فعال تحت الضغط. كما أدى احتكار السلطة من قبل “حماس” إلى تهميش المعارضة وفرض رقابة صارمة على الحياة المدنية والسياسية، الأمر الذي زاد الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة وأضعف الوحدة الوطنية، وهو ما جعل الفلسطينيين أكثر عرضة للمعاناة الداخلية والخارجية على حدّ سواء.

حزب الله: النفوذ الإقليمي وحروب الإسناد

تأسس حزب الله اللبناني في العام 1982 كرد فعل للاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، ومع مرور الوقت أصبح لاعباً سياسياً رسمياً ضمن الدولة، لكنه يحمل العديد من الأبعاد السلبية على المجتمع اللبناني والحكومة. فقد أدى ارتباط الحزب بإيران إلى جعل قراراته العسكرية والسياسية جزءاً من استراتيجية إقليمية أكبر، وهو ما تجلّى بوضوح خلال الحرب السورية، التي شارك فيها الحزب بشكل مباشر، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا من المدنيين وأثار جدلاً واسعاً حول شرعية تدخله خارج الحدود اللبنانية.

في الحرب الأخيرة لدعم غزة بعد هجوم 7 أكتوبر، أطلق الحزب عمليات عسكرية على حدود لبنان الجنوبية، ما أدى إلى تصعيد التوتر مع إسرائيل، وجلْبِ مخاطر مباشرة على عموم الشعب والأراضي اللبنانية. وتسببت هذه العمليات في أضرار كبيرة للبنية التحتية، وزادت الضغط على الخدمات الأساسية، وعمّقت الأزمات الاقتصادية في لبنان الذي يعاني أصلاً من انهيار مالي شديد.

في غضون ذلك، أضعف التركيز على دعم الجانب العسكري، من عتاد ولوجستيات وغيرها، الاستثمارات الأخرى في التنمية المحلية، وشلّ قدرة الدولة على حماية مصالح شعبها. كما ساهم وجود حزب مسلح ضمن الدولة في تفاقم الانقسامات السياسية والطائفية، وحدّ من قدرة الحكومة على فرض سيادتها على كامل التراب اللبناني، وجعل بعض السياسات مرتبطة بالمصالح الإقليمية أكثر من مصالح الشعب، ما أثر بشكل مباشر على الاستقرار الداخلي والشرعية الوطنية للدولة.

الحوثيون: تعميق الانقسام الداخلي والإقليمي

يُمثّل الحوثيون، الذين يتمركزون أساساً في شمال اليمن، أحد أبرز الأمثلة على تأثير الحركات المسلحة المدعومة إقليمياً على استقرار الدولة والمجتمع. فمنذ سيطرتهم على صنعاء في العام 2014، أطلقوا حملات عسكرية داخل اليمن، وهددوا الأمن الإقليمي عبر الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الجوار، كما شاركوا بشكل مباشر في التصعيد الأخير ضد إسرائيل بعد أحداث أكتوبر 2023، ما زاد من تعقيد الصراع الإقليمي ورفع احتمالات المواجهات المباشرة.

وأدت هذه العمليات إلى سقوط آلاف الضحايا بين المدنيين، مع تدمير واسع للبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات، الأمر الذي أجّج أزمة إنسانية حادة مع ملايين النازحين، وسط انتشار المجاعة. كما أعاقت سيطرتهم على المؤسسات الحكومية تقديم الخدمات الأساسية، وزادت من انهيار الاقتصاد اليمني. 

وجعل الاعتماد على العنف والتطرف الأيديولوجي، إلى جانب الدعم الخارجي من إيران، الحوثيين أداة للتوترات الإقليمية، إذ فرضوا سيطرة قسرية على المجتمعات المحلية، حدّت من الحقوق والحريات الأساسية وزادت الانقسامات الطائفية والسياسية، وهو ما رسّخ أجواء العنف وعدم الاستقرار على مدى طويل.

حركات أصولية أخرى.. داعش والقاعدة نموذجاً

توسعت الظاهرة الأصولية في منطقة الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين، وتمثلت أبرزها في تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، إضافة إلى جماعات محلية أخرى مثل طالبان في أفغانستان، وجماعات مسلحة في الصومال واليمن. تتميز هذه الحركات بالاعتماد المكثف على العنف لتحقيق أهداف أيديولوجية، ما أدى إلى سقوط عشرات الآلاف من المدنيين، وخلق أزمات إنسانية ضخمة، مثل موجات النزوح الجماعي والفقر المدقع.

كما أسهمت هذه الحركات في زعزعة استقرار الدول المستهدفة، وتدمير البنية التحتية، واستهداف المدارس والمستشفيات، ما أضر بمستقبل المجتمعات التي سيطرت عليها أو تأثرت بنشاطها. علاوة على ذلك، استغلّت هذه الحركات الدين كأداة سياسية، وفرضت أنظمة قمع داخلي، حدّت من حقوق المرأة والحريات الأساسية، وزادت الانقسامات الطائفية والعرقية.

البقاء في دائرة العنف

عند مراجعة الحركات المسلحة في الشرق الأوسط من “الهاغاناه” إلى “حماس”، و”حزب الله”، و”الحوثيين”، و”داعش”، و”القاعدة”، والحركات الأصولية الأخرى، نجد أن الفرق الجوهري يكمن في القدرة على التحول المؤسسي وتحقيق الاستقرار مقابل البقاء في دائرة العنف المستمر والتدخلات الإقليمية.

لقد أثّرت الحركات المسلحة الحديثة، سواء كانت مقاومة فلسطينية، أو ميليشيات لبنانية، أو جماعات مسلحة أصولية، سلباً على المجتمعات التي تمثلها من خلال العنف المستمر ضد المدنيين، وأدت إلى نشوب أزمات اقتصادية واجتماعية، وأحدثت انقسامات سياسية وطائفية بهدف السيطرة الداخلية القمعية، فضلاً عن التدخلات الإقليمية التي تحدّ من استقلال القرار الوطني. وفهم هذه الجوانب السلبية ضروري لتقييم أثر هذه الحركات على استقرار المنطقة، وتأطير حدود فعاليتها في حماية المجتمعات، أو تحقيق مصالحها على المدى الطويل.