عندما تعود الولايات المتحدة بعد خمسة وعشرين عاماً إلى مراجعة أخطر هجوم إرهابي في تاريخها الحديث، فإنها لا تستعيد فقط ذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، بل تواجه سؤالاً استراتيجياً أكثر تعقيداً: هل انتهت الحرب على الإرهاب، أم أنها دخلت مرحلة جديدة بأدوات مختلفة؟
تمثل الجلسة التي ستعقدها اللجنة الدائمة المختارة للاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي الثلاثاء 21 يوليو/تموز 2026، تحت عنوان “25 عاماً بعد 11 سبتمبر: مواجهة الجيل القادم من التهديدات”، مراجعة تاريخية لمسار أمني طويل، وإدراكاً متزايداً داخل واشنطن بأن الإرهاب لم يختفِ، وإنما أعاد تشكيل نفسه وفق قواعد جديدة. فالعدو الذي واجهته الولايات المتحدة العام 2001 كان يعتمد على خلايا سرية وقيادات مركزية ومعسكرات تدريب، أما تهديد العام 2026 فيتحرك داخل فضاء رقمي مفتوح، حيث تصبح الخوارزميات والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل أدوات للتجنيد والتأثير والتوجيه.
من القاعدة إلى الخوارزمية
خلال ربع قرن، مرّ الإرهاب الجهادي بثلاث مراحل رئيسة أعادت تشكيل مفهوم التهديد العالمي. فقد مثّل تنظيم القاعدة الجيل الأول، القائم على قيادة مركزية وتخطيط استراتيجي طويل الأمد، وكانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر المثال الأبرز على قدرته على تنفيذ عمليات معقّدة ذات أثر عالمي.
ثم ظهر تنظيم “داعش” باعتباره الجيل الثاني، مستفيداً من انهيار مؤسسات الدولة في العراق وسوريا ليؤسس نموذجاً مختلفاً يعتمد على السيطرة الجغرافية وإقامة خلافة مزعومة وبنية حكم إرهابية متطرفة داخل المناطق التي سيطر عليها.
أما اليوم، فتواجه الولايات المتحدة ما يمكن وصفه بجيل ثالث من التهديد الإرهابي، أكثر مرونة وأقل وضوحاً. جيلٌ لا يحتاج إلى أراضٍ يسيطر عليها، ولا إلى قيادة هرمية يمكن استهدافها، بل يعتمد على شبكات رقمية لامركزية قادرة على نشر الأفكار المتطرفة وتحويل أفراد متفرقين إلى أدوات تنفيذ مستقلة.
ولم يكن توقيت التحرك الأمريكي الأخير مصادفة؛ ففي التاسع من يوليو/تموز، أعلنت وزارة العدل الأمريكية عن صدور لائحة اتهام فيدرالية بحق ثمانية أشخاص بتهمة التآمر لشن هجوم إرهابي منسق عبر طائرات مسيرة وقناصة، كان يستهدف فعالية لبطولة القتال النهائي (UFC) أُقيمت في حرم البيت الأبيض، في مخطط كان يرمي لاغتيال مسؤولين بارزين وشخصيات رفيعة المستوى. وعلى الرغم من إحباطه، كشف المخطط عن طبيعة التهديد الجديد: لا معسكرات تدريب واضحة، ولا هيكل تنظيمي تقليدي، بل تواصل رقمي وشبكات تأثير تعتمد على التكنولوجيا.
وعلى الرغم من نجاح الولايات المتحدة في تفكيك البنية القيادية لتنظيم القاعدة، وقتل أسامة بن لادن، وإضعاف تنظيم “داعش” عسكرياً بعد سقوط مشروعه الإقليمي، فإن التجربة خلال 25 عاماً أثبتت أن الانتصار العسكري لا يعني القضاء على الأيديولوجيا. فقد تراجعت التنظيمات التقليدية، لكن الأفكار انتقلت إلى بيئات جديدة أكثر صعوبة في الرصد. ومع انتقال التطرف من الجغرافيا إلى الفضاء الرقمي، أصبحت إعادة إنتاج الفكر المتطرف أسرع من قدرة الأجهزة الأمنية على احتوائه.
ثورة الإرهاب الرقمي
يتوافق هذا التحول مع تقييمات مجتمع الاستخبارات الأمريكي للعام 2026، التي تنظر إلى الإرهاب ضمن منظومة أوسع من التهديدات تشمل المنافسة بين القوى الكبرى، والهجمات السيبرانية، وعمليات التأثير الخارجي، والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
فالخطر لم يعد يقاس بعدد المقاتلين أو حجم الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم ما، بل بقدرته على استغلال التكنولوجيا للوصول إلى الأفراد والتأثير في سلوكهم. وهنا تكمن خطورة الإرهاب اللامركزي، حيث يمكن لفرد واحد أن يتحول إلى تهديد بعد تعرضه لسلسلة من الرسائل الرقمية التي تعيد تشكيل قناعاته وتدفعه نحو العنف.
ويضيف الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى هذه المعادلة. فالتنظيمات المتطرفة لم تعد تستخدم الإنترنت لنشر البيانات أو مقاطع الفيديو فقط، بل باتت قادرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج محتوى دعائي أكثر احترافية، وترجمة الرسائل إلى لغات متعددة، وإنشاء صور ومقاطع مزيفة باستخدام تقنيات التزييف العميق.
تسمح هذه الأدوات بإنشاء حسابات آلية قادرة على استهداف فئات محددة بخطاب مخصص، أو انتحال شخصيات سياسية ودينية بهدف نشر معلومات مضللة. ومع انخفاض تكلفة هذه التقنيات، باتت مجموعات صغيرة أو حتى أفراد يمتلكون قدرات تأثير كانت سابقاً حكراً على تنظيمات كبيرة تمتلك موارد ضخمة.
حرب البيانات والتأثير
لا يقتصر التحول على أدوات التجنيد والدعاية، بل يشمل أيضاً طرق التمويل. فقد تحاول شبكات متطرفة استغلال الأصول الافتراضية إلى جانب قنوات التمويل التقليدية.
وهذا يعني أن الحرب على الإرهاب لم تعد مجرّد ملاحقة للأفراد أو التنظيمات، بل أصبحت معركة تقنية تشمل تتبع البيانات، وتحليل الشبكات الرقمية، ورصد التدفقات المالية الإلكترونية.
وفي الوقت نفسه، تغيرت أهداف الإرهاب. فبعض التنظيمات لم تعد تسعى فقط إلى تنفيذ هجمات كبيرة، بل تهدف إلى خلق حالة مستمرة من الفوضى النفسية، وتعميق الانقسامات الاجتماعية، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، ونشر المعلومات المضللة.
وبذلك، أصبحت العمليات الإرهابية جزءاً من حرب معلومات أوسع، حيث لا يكون الهدف فقط إيقاع خسائر مادية، بل التأثير في المجتمعات وإرباك عملية صنع القرار السياسي.
معركة واشنطن الجديدة
تواجه الولايات المتحدة اليوم تحدياً استراتيجياً معقداً. فمنذ سنوات، أعادت واشنطن توجيه جزء كبير من قدراتها نحو المنافسة مع الصين وروسيا، وتعزيز التفوق التكنولوجي والعسكري، ومواجهة التهديدات النووية والسيبرانية.
لكن عودة الإرهاب بصيغته الرقمية تفرض معادلة جديدة، لأن خصماً لا يمتلك جيشاً نظامياً أو حدوداً جغرافية يمكنه، بكلفة منخفضة، إحداث تأثير أمني وسياسي واسع.
ويوحي اختيار الخبراء مثل الفريق المتقاعد هربرت ريموند ماكماستر، والباحث سيث جونز، والمتخصص في الأمن السيبراني فرانك سيلوفو، في جلسات النقاش الأمريكية، أن مكافحة الإرهاب لم تعد ملفاً أمنياً منفصلاً، بل أصبحت نقطة تقاطع بين الاستخبارات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وحماية البنية التحتية، والتنافس الجيوسياسي.
كما تعكس الاستراتيجية الوطنية الجديدة لمكافحة الإرهاب التي أعلنتها إدارة الرئيس دونالد ترامب توجهاً نحو تعزيز الأمن الداخلي، ومواجهة التجنيد الرقمي، وحماية المجتمع الأمريكي من محاولات الاختراق والتأثير الخارجي.
مخاطر عالمية مشتركة
لكن هذه التحديات لا تخص الولايات المتحدة وحدها. فأوروبا والشرق الأوسط يواجهان المخاطر نفسها، حيث تستغل الجماعات المتطرفة التكنولوجيا الحديثة للوصول إلى جمهور جديد، في وقت أصبحت فيه الحدود بين الإرهاب التقليدي والحرب السيبرانية وحرب المعلومات أكثر ضبابية.
وبعد خمسة وعشرين عاماً على هجمات 11 سبتمبر، لم يعد أخطر تهديد هو رجل يحمل سلاحاً أو قائد يختبئ في منطقة نائية، بل خوارزميات توسّع الوصول إلى المحتوى المتطرف وتسرّع مسارات التعبئة، ورسالة رقمية تنتشر خلال ثوانٍ، وشبكة افتراضية لا مركز لها ولا حدود.
لقد تغير شكل الإرهاب، وتغيرت أدواته، وتغيرت ساحة المواجهة. وإذا كانت هجمات سبتمبر قد دفعت الولايات المتحدة إلى إعلان الحرب على الإرهاب، فإن تحديات العام 2026 تفرض عليها خوض حرب مختلفة تماماً؛ حرب لا تُحسم في الكهوف أو ساحات القتال، بل داخل مراكز البيانات، ومنصات التواصل، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
ففي عالم تتراجع فيه الحدود بين الأمن السيبراني والتطرف العنيف وحرب المعلومات، لن يكون الانتصار لمن يمتلك القوة العسكرية الأكبر، بل لمن ينجح في فهم التهديد واستباقه قبل أن يتحول إلى واقع.















