دخل الإرهاب منذ مطلع الألفية مرحلة جديدة اتسمت بتغيّر الفاعلين وأنماط التنفيذ والسياقات الرمزية للأهداف، فلم يعد محصوراً في ساحات الصراع أو النزاعات الإقليمية، بل تمدّد ليطال المدن الكبرى والتجمعات المدنية والفعاليات الاحتفالية، بما فيها أعياد الميلاد ورأس السنة والمناسبات الدينية والثقافية الكبرى.
تميزت الفترة بين العامين 2001 و2010 بالهجمات الكبيرة التخطيط ذات الصدى العالمي، فيما حملت الفترة بين العامين 2011 و2020 انتقالاً نحو اللامركزية والاعتماد على الأفراد، وجاءت السنوات من 2021 إلى 2025 لتؤكد ترسّخ نموذج “التهديد الدائم منخفض الكلفة”، الذي يجعل المناسبات الاحتفالية أهدافًا متكررة ليس لأنها رمزية فحسب، بل لأنها قابلة للاختراق من دون لفت الانتباه المبكر.
شهد العقد الأول بعد العام 2000 بروز الجماعات الجهادية العابرة للحدود كفاعل رئيس، مستفيدة من فراغات أمنية وصراعات مفتوحة، وركّزت هجماتها على إيقاع أكبر قدر من الخسائر وبث رسائل أيديولوجية مباشرة. وجاء استهداف الأعياد الدينية ضمن استراتيجية “الصدمة والرمز” لإشعال الانقسامات الاجتماعية، إذ أكدت مراكز أبحاث غربية أن اختيار توقيت الأعياد لم يكن اعتباطياً، بل استند إلى حسابات نفسية وإعلامية تضمن كثافة بشرية مرتفعة وتغطية إعلامية واسعة، مع تقويض الشعور الجمعي بالأمان في لحظة احتفال.
الجهادية العابرة للحدود
برز مع منتصف العقد الثاني، ومع تراجع قدرة التنظيمات الكبرى على التخطيط المركزي، تحوّل نوعي تمثّل في انتقال الثقل من الهجمات المنظمة إلى أفعال ينفذها أفراد أو خلايا صغيرة، كما وثقته تقارير مراكز دراسات الإرهاب في أوروبا والولايات المتحدة. وأصبح التهديد قائماً على أفراد متأثرين بالدعاية الرقمية، قادرين على تنفيذ هجمات سريعة بأدوات بسيطة، ما جعل أسواق أعياد الميلاد واحتفالات رأس السنة أهدافاً مفضلة لصعوبة حمايتها الشاملة ولرمزيتها العالية، ما بات يُعرف بانتشار ما يُعرف بـ”إرهاب الفرصة”، حيث يختار المنفذ الهدف الأنسب في اللحظة الأكثر كثافة ورمزية.
تزامن ذلك مع صعود جماعات اليمين المتطرف في الغرب خلال العقدين الأخيرين، بخطاب قائم على الكراهية العرقية والدينية ورفض التعددية، إذ لم تتبنَّ هذه الجماعات دائماً توصيف “الإرهاب” رسمياً، لكنها استخدمت العنف ضد تجمعات مدنية واحتفالات عامة لإيصال رسائل ردعية واستعراضية، تهدف إلى الاستقطاب والتجنيد عبر الإعلام الرقمي.
في المقابل، تراجعت نسبياً الجماعات الانفصالية أو القومية المتشددة عن استهداف الأعياد الدينية، لكنها واصلت ضرب التجمعات المدنية الكبرى خلال مناسبات وطنية أو ثقافية، مع اعتماد تواريخ رمزية لتعظيم الأثر الإعلامي والنفسي للهجمات، ما يبرز تقاطع أهدافها مع غيرها حين تتحول المناسبات الثقافية إلى رموز هوية متنازع عليها.
تحريض رقمي عابر للحدود
شهدت السنوات الخمس الأخيرة تداخلاً إضافياً بين الأيديولوجيات، حيث باتت الحدود بين التطرف الديني والسياسي والعرقي أقل وضوحاً، ما جعل الأعياد والتجمعات المدنية مساحات هشّة تتقاطع عندها دوافع متعددة. في هذا الإطار، لم تعد الهجمات انعكاساً لأيديولوجيا واحدة، بل نتيجة منظومة تحريض رقمي عابر للحدود يعيد تدوير المظلومية إلى عنف.
شهدت الهجمات على أسواق عيد الميلاد في أوروبا نماذج واضحة لهذا التحول، أبرزها هجوم برلين العام 2016 الذي استهدف سوق عيد الميلاد، وأسفر عن مقتل 14 شخصاً وإصابة 56 آخرين، كونه عملاً إرهابياً مرتبطاً بالإسلاموية المتطرفة ورداً على مشاركة ألمانيا في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. وفي ستراسبورغ العالم 2018، أطلق رجل النار وطعن المحتفلين في سوق عيد الميلاد قبل قتله على يد الشرطة، مخلفاً قتلى ومصابين، ما أبرز هشاشة أماكن التجمع المدني.
أما بغداد فشهدت في العام 2013 تفجيرات عيد الميلاد التي استهدفت المسيحيين خلال الاحتفال، وأسفرت عن مقتل 38 شخصاً وإصابة 70 آخرين، في مؤشر على استهداف الأقليات أثناء المناسبات الدينية. وفي ألمانيا أيضاً، تعرّض سوق عيد الميلاد في ماغدبورغ العام 2024 لهجوم بدهس باستخدام سيارة، ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص وإصابة المئات، في حادث وصفه بعض المحققين بأنه مرتبط بكراهية الجماعات الدينية الأخرى، على الرغم من أن التفاصيل ما زالت تحت التحقيق.
لماذا تُستهدف الاحتفالات؟
شملت ردود الفعل الرسمية تعزيز الإجراءات الأمنية خلال مواسم الأعياد ورأس السنة، إذ أعلنت فرنسا العام 2023 حالة طوارئ أمنية تضمنت نشر آلاف الجنود وعناصر الشرطة، فيما جدّد المسؤولون في العام 2025 تحذيراتهم بشأن الأسواق وأماكن الاحتفال بوصفها أهدافاً محتملة.
في الولايات المتحدة، أحبط مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في ديسمبر 2025 مخططاً لاستهداف مواقع عدة في لوس أنجلوس ليلة رأس السنة، عقب توقيف أربعة أفراد من جماعة متطرفة محلية كانوا يخططون لهجمات متعددة باستخدام عبوات ناسفة، ما أبرز أهمية الرقابة الاستخباراتية والتعاون الدولي في منع الكوارث قبل وقوعها.
وشهدت أستراليا منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025 هجوماً إرهابياً خلال احتفال بعيد “حانوكا” على شاطئ بوندي بيتش، إذ فتح رجلان النار على الحشود، ما أسفر عن مقتل 15 شخصاً وإصابة العشرات، مع العثور على متفجرات وأعلام لتنظيم “داعش”. وعكس الهجوم قدرة الأيديولوجيات المتطرفة على العبور بين الحدود والتأثير حتى في مجتمعات بعيدة عن ساحات الصراع، مؤكّداً الحاجة إلى تشديد مراقبة التحريض الرقمي وتحديث القوانين المرتبطة بحيازة الأسلحة. يستهدف هذا النمط من الهجمات إحداث صدمة نفسية تطال المجتمع بأسره، لا الضحايا المباشرين فحسب.
منع الهجمات قبل وقوعها
تعكس مؤشرات الإرهاب العالمي ارتفاع عدد الدول التي شهدت هجمات إرهابية من 58 إلى 66 دولة، مع تصاعد لافت في الهجمات التي ينفذها “الذئاب المنفردة” في الغرب، والتي باتت تشكّل أكثر من 90% من الهجمات القاتلة، نتيجة انتشار الدعاية الرقمية وتراجع التنسيق المركزي لدى التنظيمات الكبرى. ويجعل هذا التوجه من مكافحة الإرهاب مهمة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تمتد إلى الرقابة الرقمية، والسياسات الثقافية، وتعزيز التماسك الاجتماعي.
يُظهر تتبّع ربع قرن من الهجمات أن استهداف الأعياد والتجمعات المدنية لم يكن مجرد وقائع معزولة، بل جزءاً من مسار تطوري نقل الإرهاب إلى قلب الحياة اليومية. وعلى الرغم من تباين الأيديولوجيات والدوافع، تلتقي الجماعات المتطرفة عند هدف واحد يتمثل في ضرب المدنيين في لحظات اجتماعهم واحتفالهم لإحداث أثر نفسي يتجاوز عدد الضحايا، وإعادة تشكيل الشعور الجمعي بالأمان داخل المجتمعات.
يستدعي ذلك مقاربة شاملة تدمج بين الأمن والتعاون الدولي ومكافحة التطرف الرقمي وتعزيز المشاركة المجتمعية، بما يضمن حماية الفضاءات العامة واستمرار الحياة الاحتفالية من دون خوف أو تهديد.















