لم يكن اعتداء تنظيم “داعش” على المساجد، ومنها على سبيل المثال مذبحة مسجد “الروضة” ببئر العبد في شمال سيناء في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أثناء صلاة الجمعة، وأسفرت عن استشهاد 305 أشخاص، وإصابة 128 آخرين من المصلّين، حادثاً معزولاً عن السياق الفكري الذي استندت إليه التنظيمات الجهادية المتطرفة عبر عقود وليست ببعيدة عن الأفكار التي سطرها سيد قطب في ستينيات القرن الماضي.
خلف مشاهد العنف الدامي تقف منظومة من الأدبيات والتنظيرات الأيديولوجية التي أسهمت في إعادة تعريف المجتمع والدولة ومؤسساتهما بوصفها كيانات خارجة عن التصور العقدي لهذه الجماعات. ومن كتابات سيد قطب إلى مؤلفات منظري السلفية الجهادية اللاحقين، تشكلت سلسلة فكرية متصلة وفّرت الأرضية النظرية لتبرير التكفير والعنف واستهداف المخالفين، وصولاً إلى الممارسات الأكثر دموية التي تبنتها تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش”.
تحدثنا في الحلقات السابقة عن أهم الكتب الفكرية والحركية التي أنتجتها جماعة الإخوان، والتي مثلت فيما بعد مرجعاً ودستوراً لمختلف التنظيمات الإرهابية نتيجة تأثر غالبية قياداتها بمنهجية سيد قطب، وكتاباته حول الحاكمية والجاهلية وحتمية المواجهة المسلحة.
مساجد الجاهلية
اعتبر سيد قطب، في كتابه “في ظلال القرآن” صفحة (1816)، أن مساجد المسلمين التي تقام فيها الصلاة ويرفع فيها الأذان هي معابد جاهلية، ولا بد من اعتزالها حيث قال: “لابد من اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح وتزاول بالعبادة ذاتها نوعا من التنظيم في جو العبادة الطهور”.
ولا تخلو إصدارات “داعش” من أفكار وأدبيات سيد قطب، ومنها استشهاد أغلب إصدارات التنظيم بمقولة سيد قطب في الظلال 3/ 1543 “فالاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد”، والنص يأمر “بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها، فهي حدود الطاقة إلى أقصاها، بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها”.
وبالعودة إلى كتاب “فرسان تحت راية النبي”، يقول أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة السابق: “إن سيد قطب هو الذي وضع دستورنا في كتابه (معالم في الطريق)، وهو مصدر الإحياء الأصولي، وكتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام)، يعد أهم إنتاج عقلي وفكري للتيارات المتطرفة، وفكره كان شرارة البدء في إشعال الثورة ضد أعداء الإسلام في الداخل والخارج”.
مِلّة إبراهيم وإدارة التوحش
خلال تلك الرحلة التاريخية الممتدة من جماعة الإخوان والتكفير والهجرة، مروراً بالجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد، والطليعة المقاتلة في سوريا، والجماعة المقاتلة في ليبيا، وصولاً إلى تنظيم القاعدة وداعش وفروعها المنتشرة في الكثير من الدول الإفريقية والآسيوية، برزت عشرات الكتب التي سارت على نهج الإخوان في تبرير العنف وشرعنة الاعتداء على مؤسسات الدولة الوطنية ومن أبرزها، كتاب “ملة إبراهيم”، الذي سطره “أبو محمد المقدسي”، والذي يلتقي مع ما طرحه سيد قطب في كتاب “معالم في الطريق” من حيث التأثير والصياغة الأيديولوجية لتيارات الإسلام الحركي. ويستند الكتاب إلى فكرة الأخذ بـ”ملة النبي إبراهيم”، والتأسي بمفاهيم الكفر “بالطاغوت” والبراءة منه، ويحرم الانتماء للمؤسسات العسكرية.
يلي ذلك كتاب “إدارة التوحش” لـ”أبو بكر الناجي”، الذي اعتمده تنظيم “داعش” كمرجعية فكرية لمشروعه الحركي، في إبادة مؤسسات الدولة الوطنية واستبدالها بالكيانات البديلة، ويشار إلى أن” أبو بكر الناجي” اسم مستعار لمحمد خليل الحكايمة، أحد قيادات الجماعة الإسلامية وكان من الفريق الرافض لمشروع المراجعات الفكرية التي تمت عام 2002 من داخل السجون المصرية، وانتمى لتنظيم “القاعدة” فيما بعد.
يشرح الحكايمة في كتابه “إدارة التوحش” أن الأمة تمر بثلاث مراحل، الأولى تتمثل في “جهاد النكاية”، بينما الثانية تدور في نطاق “عموم الفوضى”، والتي تستلزم إدارة هذه الفوضى، تمهيداً للمرحلة الثالثة المتمثلة في استراتيجية “التمكين” وإعلان قيام الدولة الإسلامية.
فقه الدماء وسيد فضل
يُعد كتاب “مسائل من فقه الجهاد” أو “فقه الدماء”، من أهم الكتب التي أسست للمنطلقات الفقهية لتنظيم “داعش”، فهو فريد من حيث تقديم الاستدلالات الشرعية حول جرائم التنظيم التي افتعلها منذ نشأته، من “مشروعية قطع الرؤوس”، إلى جواز الذبح والحرق، وهدم المنازل على أصحابها، والقتل وتوظيف العقارب والحيات، واعتماد الأسلحة البيولوجية والجرثومية، والتي استخدمها تنظيم داعش في الكثير من الوقائع ضد خصومه ومخالفيه. وقد كتبه أبو عبدالله المهاجر أو عبدالرحمن العلي، مصري الجنسية، ويعد أحد منظري اللجنة العلمية والشرعية في تنظيم “القاعدة” سابقاً.
يعتبر كتاب “العمدة في إعداد العدة”، من أشهر الكتب المؤصلة للفكر التكفيري، والذي سطره الدكتور سيد إمام، أو سيد فضل، أبرز المرجعيات الفكرية التي نظرت لتيار السلفية الجهادية خلال مرحلة “الجهاد الأفغاني”. وقدم كذلك كتاب “الجامع في طلب العلم”، ويُعد بمثابة دستور لتنظيمي “داعش” و”القاعدة”.
الفريضة الغائبة والإمامة والبيعة
في إطار ذلك لا يمكن تجاهل كتاب “الفريضة الغائبة”، الذي يعد الأساس الفكري لتنظيمات الجهاد المصري، وكتبه التكفيري محمد عبد السلام فرج، الذي تم إعدامه في 1982 بعد تورطه في عملية اغتيال الرئيس المصري أنور السادات. فلم يكن تنظيم الجهاد يمتلك تأصيلًا فكريًا وفقهيًا وعقائديًا مفصلًا للإستراتيجية التي تبناها حتى عام 1980، إلى أن كتب محمد عبد السلام فرج كتابه “الفريضة الغائبة”، معتمداً على فتاوى ابن تيمية والإسهامات الفكرية لسيد قطب، ومحمد بن عبد الوهاب، مثل تفسير سيد قطب لقوله تعالى “إن الحكم إلا لله”، وكتاب الصارم المسلول لابن تيمية.
وضع كتاب “فصول في الإمامة والبيعة” لأبي المنذر الشنقيطي، تأصيلاً لمنهجية العنف المسلح، معتبراً أن “تنصيب الإمام واجب شرعي على المسلمين في كل مكان ولا يختص بزمان عن زمان، ومن زعم أن نصب الإمام غير واجب في هذه الأيام فقد افترى على الله، لأنه عارض الائتلاف وزعم أن الشرع أقر الناس على التفرق والاختلاف”.
أهل التوقف بين الشك واليقين
يُعد كتاب “أهل التوقف بين الشك واليقين” لضابط الشرطة السابق حلمي هاشم، المعروف بـ”عبدالرحمن شاكر نعم الله”، من المرجعيات التي أصلت لتكفير الشعوب والمجتمعات سيراً على خطى سيد قطب وأبي الأعلى المودودي. وقد ألّف هاشم، ما يزيد على نحو 25 مؤلفاً من بينها “التكفير بالعموم”، وكتاب “أحكام الذرية الرد على شبهات في الحاكمية” و”أصحاب السبت”، و”أصحاب الحد”، “الربوبية والطاغوتية”، “الدار والديار”، “حجة الله البالغة”، “معالم سنن الاعتقاد”، “نظرات في واقع محمد قطب المعاصر”، “الطاغوت”، “قاعدة من لم يكفر الكافر فهو كافر”.
هذا الطرح يبرز الدور الذي لعبته جماعة الإخوان بشكل مباشر في بناء السياق الفكري والحركي لمختلف التنظيمات التكفيرية المسلحة، في ظل اتباع وتبنّي قياداتها أدبيات سيد قطب التي وضعها حول فرضيات العمل التنظيمي والمسلح، وذلك رغم الاختلاف حول وسائل واستراتيجيات التغيير ما بين “التمدد الأفقي” في عمق مؤسسات الدولة، أو “التغيير الرأسي” من خلال الإطاحة برأس الدولة والانقلاب على النظام الحاكم.















