بعد شهر وبعضة أيام من صدور الأحكام القضائية في ملف الجهاز السري لـ”حركة النهضة” التي شملت 35 قيادياً من الحركة الإخوانية، من بينهم زعيم الحركة راشد الغنوشي ونائبه علي العريض الذي شغل منصب وزير الداخلية ورئيس الحكومة بين العامين 2012 و2013، قدم صباح الخميس 9 يوليو/تموز الجاري عشرة أعضاء في البرلمان عريضة من أجل تصنيف “حركة النهضة” كحركة إرهابية بعد أن أدان القضاء التونسي عدداً من قياداتها في قضايا ذات صبغة إرهابية زمن صعودها للحكم في تحالف حكومي عرف بـ”الترويكا” بعد الانتخابات التي عرفتها تونس في أكتوبر\تشرين الأول 2011.
أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، أخيراً أحكامها في القضية المعروفة بـ”الجهاز السري لحركة النهضة”، وتراوحت العقوبات بين السجن لمدة 10 سنوات والسجن مدى الحياة. وأدانت المحكمة المتهمين بتهم تكوين وفاق إرهابي، والانضمام عمداً، بأي صفة كانت، داخل تراب الجمهورية، إلى وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية، ووضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي وعلى ذمة أشخاص لهم علاقة بالجرائم الإرهابية، إضافة إلى جرائم إرهابية أخرى منصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب.
أحكام تضرب القيادة الإخوانية
تراوحت الأحكام بين السجن مدى الحياة مع 96 سنة سجناً بحق مصطفى خذر، والسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجناً بحق كل من رضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين.
كما قضت المحكمة بالسجن مدى الحياة مع 50 سنة سجناً بحق فتحي البلدي، وبالسجن مدى الحياة مع 37 سنة سجناً بحق عبد العزيز الدغسني، وبالسجن مدى الحياة مع 32 سنة سجناً بحق كمال البدوي، وبالسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجناً بحق كل من سمير الحناشي وراشد الغنوشي.
وتمثلت بقية الأحكام في السجن 48 سنة بحق قيس بكار، و46 سنة بحق بلحسن النقاش، و42 سنة بحق علي العريض، و34 سنة بحق علي الفرشيشي، فيما حُكم على ثلاثة متهمين بالسجن لمدة 18 سنة، وعلى أربعة متهمين بالسجن لمدة 12 سنة، وعلى متهمين اثنين بالسجن لمدة 10 سنوات. كما قضت المحكمة بوضع جميع المتهمين تحت المراقبة الإدارية لمدة خمسة أعوام.
ومَثُل في هذه القضية ذات الصبغة “الإرهابية” 35 متهماً، من بينهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي (موقوف)، ونائبه علي العريض (موقوف)، إلى جانب عدد من القيادات الأمنية السابقة، فضلاً عن مصطفى خذر، المتهم في ما يُعرف بقضية “الغرفة السوداء”.
وكانت النيابة العمومية وهيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد، زعيم حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (يسار) الذي اغتيل في فبراير/شباط 2013، ومحمد البراهمي، زعيم حزب التيار الشعبي (ناصري) الذي اغتيل في 25 يوليو/تموز 2013، قد تقدمتا بالدعوى القضائية ضد “حركة النهضة”، التي تُوصف بأنها الفرع التونسي للتنظيم الدولي لـ”جماعة الإخوان المسلمين”.
معركة التصنيف والحل تتصاعد
قدّم البرلمانيون الذين طالبوا بتصنيف حزب “حركة النهضة” تنظيماً إرهابياً إلى مكتب البرلمان وثيقةً أكدوا فيها أن مشروع القانون الأساسي الذي يقترحونه يهدف إلى حماية الأمن القومي، وصون السيادة الوطنية، والحفاظ على النظام الجمهوري، ومنع استغلال الأحزاب والجمعيات كواجهات لتنظيمات إرهابية. كما يعتبرون أن حزب “حركة النهضة” يُمثل الامتداد السياسي والتنظيمي للتنظيم الدولي لجماعة “الإخوان المسلمين” في تونس.
واعتبر البرلمانيون أن هذا التصنيف ينسحب على كل الجمعيات والتنظيمات التي لها صلة بالحركة تنظيمياً أو مالياً، كما طالبوا بإسقاط الصفة التمثيلية والنيابية عن كل من يثبت انتماؤه للحركة ومنعه من الترشح لأي مسؤولية، وطالبوا أيضاً بتتبع كل من تثبت مساعدته لهذا التنظيم وفق أي صيغة من الدعم المالي أو اللوجستي.

وقالت النائبة فاطمة المسدي، عن محافظة صفاقس، التي كانت من أبرز المساهمين في رفع هذه الدعوى وجمع التوقيعات، لـ”غلوبال ووتش عربية”، إن هذا المطلب يأتي بعد أن أقرّ القضاء التونسي، بحسب قولها، بتورط “حركة النهضة” في قضايا إرهاب، وأثبت امتلاكها جهازاً سرياً موازياً متورطاً في عمليات إرهابية. وأضافت أن ذلك “يستوجب أولاً تصنيفها حركةً إرهابية، وثانياً حلّها، لأنها تتعارض مع قانون الأحزاب في تونس، فضلاً عن وجود شبهات تحيط بمصادر تمويلها”. وتابعت: “لا أطالب بحلها فقط، بل أيضاً بمصادرة كل من ثبت تورطه قضائياً في جرائم الجهاز السري”.
اتهامات تضرب بنية الحركة
في تعليق على الجدل الدائر في تونس حول تصنيف “حركة النهضة” حركةً إرهابية والمطالبة بحلها، قال المحلل السياسي والإعلامي باسل الترجمان لـ”غلوبال ووتش عربية”: “الأهم من المطالبة بحل ‘حركة النهضة’ من قبل خصومها السياسيين هو تطبيق قانون الأحزاب والجمعيات لسنة 2011، الذي شاركت ‘النهضة’ في صياغته، والذي ينص على أن أي حزب يتلقى تمويلات خارجية أو يثبت تورطه في الإرهاب يتم حله عبر القضاء”.
ويضيف: “ستكون ‘حركة النهضة’ أمام هذا القانون لثبوت تورطها في الإرهاب، بعد الأحكام التي صدرت بحق رئيسها راشد الغنوشي وعدد من قياداتها ضمن ما يُعرف بقضية الجهاز السري. وقد اصطدمت محاولات أنصار الحركة ومسانديها للحديث عن أحكام ذات طابع سياسي بما نشرته هيئة الدفاع عن ملف الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي خلال ندوة صحافية عقدتها في مقر نقابة المحامين يوم 9 يونيو/حزيران الماضي، والتي لم تستطع ‘حركة النهضة’ أو محامو القيادات المُدانة فيها عقد ندوة صحفية للرد عليها، واكتفوا بالاختفاء وراء تدوينات فيسبوكية من الذباب الإلكتروني للحركة الإخوانية”.
مستقبل غامض بعد الغنوشي
من جهته، يرى الباحث في الحركات الإسلامية الأستاذ أنس الشابي أن مطلب حلّ “حركة النهضة” الإخوانية أصبح مطلباً مشروعاً بعد صدور أحكام قضائية تدين الحركة وقياداتها سواء في الجهاز السري أو الاغتيالات. ويقول لـ”غلوبال ووتش عربية”: “بعدما صدرت أحكام قضائية باتة بإدانة الجرائم التي ارتكبها منتسبو ‘حركة النهضة’ من اغتيال وتكوين لتنظيمات سرية وغيرهما، اكتسب هذا المطلب شرعيته السياسية بعد التصديق القانوني ولم يعد أمام السلطة سوى البدء في تنفيذ إجراءات حل الحركة التي أصدر القضاء حكمه بخطورتها على أمن الوطن والمواطنين”.
وعن مستقبل “حركة النهضة” الإخوانية، يرى أنها بلا مستقبل وقد توجد حركات تخلفها لكنها ستكون ضعيفة. ويقول الشابي: “لعل الأمر الوحيد الذي سيذكره التاريخ لراشد الغنوشي كحسنة في حق تونس أنه قضى تماماً على كل القيادات التي يمكن أن تخلفه في حالة غيابه فالحركة هي حركته منذ أن تأسست قبل ما يفوق النصف قرن. ومن الجدير بالملاحظة أنه قضى على كل من رأى فيه منافساً على الزعامة في المستقبل. فقبل تأسيس الحركة سنة 1972 شن حملة هوجاء على حسن الغضباني لأنه كان أقدر منه على جمع المصلين خلال خُطبه لشدة تأثيره على السامعين، فاختفى الرجل من الساحة المسجدية بعد حملة من نشر الحركة الافتراءات والاتهامات في حقه. وقد تواصل هذا الأسلوب في إقصاء كل من تخوّل له نفسه الخروج عن طاعة المرشد في المنشط والمكره فلم يبق من المؤسسين سوى راشد وعبد الفتاح مورو الذي رضي لنفسه بمهانة الاصطفاف”.
ويتابع: “لعل مثال صالح كركر الأبرز من بين ضحايا حرب الاقصاءات في الحركة، بجانب ذلك يمتلك الغنوشي لوحده التصرف في المالية وفي العلاقات الخارجية وهي مصادر قوته الأساسية، والذي تجدر الإشارة إليه أن الحركة اليوم لم يعد لها أي مستقبل لأنها حركة راشد الغنوشي وليست حركة مؤسسات، وهي اليوم في حالة من الضعف لشيخوخة مؤسسها وفشلها في الحكم. الحركة كما عرفناها انتهت ولم يبق لها حضور ولكن مستقبلاً قد توجد حركات إسلامية بقيادات جديدة أضعف وغير قادرة على التجميع”.
فإلى أين يتجه الفرع التونسي لتنظيم “الإخوان المسلمين” في ظل عزلة شعبية وإدانة قانونية؟















