يرسم مسار الحضور الإخواني في العراق منذ العام 2003 صورة مختلفة لطبيعة عمل الجماعات الأيديولوجية داخل الدول التي تمر بمراحل انتقالية معقدة، إذ لم يؤدِّ تراجع “الحزب الإسلامي العراقي” إلى خروج الجماعة من المعادلة السياسية، بل دفعها نحو مرحلة جديدة تعتمد على التحالفات، وبناء الشبكات الاجتماعية، والحضور داخل المؤسسات المؤثرة.
في بيئة سياسية تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع صراعات النفوذ الإقليمي، انتقل “إخوان العراق” من محاولة تثبيت حضور حزبي مباشر إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على التأثير من داخل الدولة، والتحرك عبر واجهات سياسية متعددة، والاستفادة من المساحات التي توفرها طبيعة النظام العراقي القائم على التوافقات.
ولا تُقاس قدرة التنظيمات الأيديولوجية على البقاء فقط بحجم حضورها الانتخابي، بل بقدرتها على إعادة إنتاج نفوذها عبر شبكات سياسية واجتماعية ومؤسسية قادرة على التكيف مع التحولات.
التحول من الحزب إلى الشبكة
مثّل “الحزب الإسلامي العراقي”، بعد عام 2003، الواجهة السياسية الأبرز لـ”الإخوان المسلمين” في العراق، مستفيداً من الفراغ السياسي الذي أعقب سقوط النظام السابق، ومن الحاجة إلى وجود قوة سنية منظمة داخل المؤسسات الجديدة.
لكن تغيرات المشهد السياسي، وتراجع شعبية الأحزاب الإسلامية، وظهور قوى سنية جديدة، دفعت الجماعة إلى إعادة صياغة أدواتها. فلم يعد الحفاظ على حزب يحمل هوية أيديولوجية معلنة هو الخيار الوحيد لضمان التأثير، بل أصبح الحفاظ على شبكة العلاقات والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار أكثر أهمية.
هذا التحول يعكس نمطاً تتبعه العديد من الحركات الأيديولوجية عندما تواجه قيوداً سياسية أو تراجعاً شعبياً، فتنتقل من الاعتماد على التنظيم العلني إلى العمل عبر مساحات أكثر مرونة.
التحالفات بوابة النفوذ
أصبح العمل داخل التحالفات السياسية أحد أبرز مسارات الحضور الإخواني في العراق، إذ انتقلت شخصيات ذات خلفيات مرتبطة بالتيار الإسلامي السني إلى مواقع مؤثرة داخل كتل سياسية لا ترفع بالضرورة هوية الجماعة بشكل مباشر.
ويظهر هذا المسار في حضور شخصيات مثل محمود القيسي داخل “تحالف عزم”، حيث بات النفوذ مرتبطاً بالقدرة على إدارة الملفات السياسية وبناء العلاقات داخل مؤسسات الدولة أكثر من ارتباطه بالهوية التنظيمية التقليدية.
هذه الصيغة تمنح التيار مساحة أوسع للحركة، إذ تسمح له بالمشاركة في صناعة القرار دون تحمل كامل الأعباء السياسية المرتبطة باسم الجماعة، خصوصاً في ظل تغير المزاج الشعبي تجاه الأحزاب الدينية خلال السنوات الماضية.
كما أن طبيعة النظام السياسي العراقي، القائم على التسويات والتحالفات المتغيرة، وفرت بيئة مناسبة للقوى ذات الخبرة التنظيمية الطويلة لإعادة بناء حضورها من خلال شراكات سياسية جديدة.
المجتمع مصنع القواعد
لم يعتمد الحضور الإخواني في العراق على السياسة الرسمية فقط، بل حافظ على أهمية العمل الاجتماعي باعتباره وسيلة للحفاظ على القاعدة الشعبية وإنتاج كوادر جديدة. وتبرز هنا حركة “العدل والإحسان” باعتبارها إحدى المساحات التي حاولت من خلالها شخصيات ذات خلفيات إخوانية الحفاظ على حضور مجتمعي يتجاوز المواسم الانتخابية.
ويرتكز هذا النموذج على النشاط الشبابي والطلابي، والبرامج الدينية والاجتماعية، وبناء العلاقات المحلية، وهي أدوات تمنح التنظيمات الأيديولوجية قدرة على الاستمرار حتى في فترات تراجع الحضور السياسي المباشر. فالتأثير طويل الأمد لا يعتمد فقط على المقاعد البرلمانية، بل على القدرة على بناء بيئة اجتماعية منتجة للكوادر ومساندة لأي مشروع سياسي مستقبلي.
يمثل المجال الديني أحد أكثر ميادين التنافس حساسية داخل البيئة السنية العراقية، نظراً للدور الذي تؤديه المؤسسات الدينية في تشكيل الخطاب العام والتأثير الاجتماعي. ويبرز ديوان الوقف السني باعتباره مؤسسة محورية بسبب ارتباطه بإدارة المساجد وتنظيم شؤون الأئمة والخطباء، ما يجعله جزءاً من معركة النفوذ داخل المكون السني.
وخلال السنوات الماضية، شهدت الساحة السنية تنافساً بين تيارات متعددة، من بينها التيار الإسلامي الحركي، والتيارات السلفية التقليدية، والقوى السياسية التي تسعى إلى تعزيز حضورها داخل المؤسسات الدينية.
وتكمن أهمية هذه المؤسسات في كونها لا تقتصر على إدارة الشأن الديني، بل تمتلك قدرة على تشكيل العلاقات الاجتماعية والتأثير في المزاج العام، خصوصاً في المناطق التي تحتفظ فيها المساجد بدور مركزي داخل المجتمع.
التقاطع مع الإقليم
لا يمكن فهم التحولات التي شهدها التيار الإخواني العراقي بعيداً عن البيئة الإقليمية المحيطة. فالعراق يمثل ساحة تنافس بين مشاريع نفوذ متعددة، حيث تسعى إيران إلى الحفاظ على حضورها السياسي والأمني، بينما تعمل تركيا على تعزيز ارتباطها بالمناطق السنية والحدودية، في حين تراقب دول الخليج تطورات البيئة السنية العراقية باعتبارها جزءاً من توازنات المنطقة.
لم تعد العلاقات السياسية تُبنى فقط على أساس التقارب الفكري، بل أصبحت مرتبطة بدرجة كبيرة بحسابات المصالح وإدارة النفوذ. وقد أظهرت التجربة العراقية أن القوى السياسية المختلفة قد تجد مساحات للتنسيق عندما تتقاطع مصالحها، حتى مع استمرار الاختلافات الأيديولوجية، وهو ما يفسر قدرة بعض التيارات على التحرك داخل بيئات سياسية متناقضة.
نفوذ بلا لافتة
لا يمثل وضع “الإخوان المسلمين” في العراق حالة اختفاء أو عودة تقليدية، بل يعكس تحولاً في طبيعة العمل السياسي والتنظيمي. التنظيمات التي تواجه تراجعاً في حضورها العلني غالباً ما تبحث عن أدوات بديلة للحفاظ على التأثير، سواء عبر التحالفات أو المؤسسات الاجتماعية أو شبكات العلاقات داخل الدولة.
وفي الحالة العراقية، يبدو أن الرهان لم يعد على استعادة تجربة الحزب الإسلامي بصيغتها السابقة، بل على بناء حضور طويل الأمد داخل السياسة والمجتمع والمؤسسات المؤثرة. وهذا التحول يفرض قراءة مختلفة لطبيعة الصراع على النفوذ في العراق، إذ لم تعد الانتخابات وحدها معيار القوة، بل أصبحت القدرة على بناء الشبكات وإدارة التأثير غير المباشر عاملاً أساسياً في تحديد موازين القوى.
ففي العراق الجديد، قد لا تكون القوة السياسية الأكثر تأثيراً هي التي تمتلك أعلى حضور علني، بل التي تمتلك أعمق جذور داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.















