ألغت جامعة “ساوثرن ميثوديست” مؤتمراً طلابياً كان مقرراً أن تنظمه “كير-تكساس”، الفرع المحلي لـ”مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية” (كير)، في خطوة تبدو للوهلة الأولى تفصيلاً جديداً في السجال الطويل حول المنظمة، لكنها تحمل دلالة أوسع بكثير. لم تعد المسألة تتعلق بما تقوله “كير” أو بما إذا كانت تستطيع الدفاع عن نفسها أمام المحاكم، بل بما إذا كانت المؤسسات الأمريكية بدأت تعيد حساباتها بشأن الجهات التي تمنحها منصات ومساحات للتأثير.
لم تدخل الجامعة في مواجهة سياسية مباشرة مع المنظمة، ولم تحتج إلى تحويل حرمها إلى ساحة سجال أيديولوجي. يكفي أن يكون تصنيفاً صادراً عن سلطات الولاية قد جعل استضافة فعالية مرتبطة بها قراراً عالي الكلفة والمخاطر. وهكذا انتقل تأثير القرار من الأوراق الرسمية إلى السلوك المؤسسي، ومن الخطاب السياسي إلى أبواب القاعات الجامعية.
وهذا بالضبط ما يجعل القضية أكثر أهمية من المؤتمر نفسه.
على مدى سنوات، تمكنت منظمات ذات ارتباط بشبكات الإسلام السياسي في الولايات المتحدة من بناء حضور يتجاوز النشاط الديني المباشر، مستفيدة من الجامعات ومراكز الأبحاث والمنظمات المدنية والمساحات الطلابية باعتبارها ساحات لبناء العلاقات وتشكيل الخطاب واستقطاب الأجيال الجديدة.
ولا يعني ذلك أن كل نشاط طلابي مسلم مرتبط بهذه الشبكات، أو أن كل فعالية مدنية تمثل امتداداً تنظيمياً لها. لكن المؤكد أن الجامعة أصبحت واحدة من أهم البيئات التي يمكن من خلالها تحويل النشاط الاجتماعي إلى نفوذ طويل الأمد.
الجامعة.. ساحة نفوذ
يكتسب إلغاء مؤتمر مخصص لتدريب الشباب على التنظيم المجتمعي والمشاركة في التأثير في صنّاع القرار دلالة خاصة؛ فالبرنامج لم يكن مجرد لقاء ثقافي أو نقاش ديني، بل تضمن تدريبات على أدوات بناء النفوذ، من بينها “رسم خرائط القوة” وفهم مراكز التأثير وصياغة أدوات الضغط المدني. وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف.
المعركة الحالية لا تدور فقط حول حق منظمة معينة في عقد مؤتمر، وإنما حول من يمتلك القدرة على تدريب الجيل المقبل على أدوات التأثير السياسي والمدني.
تتقاطع هنا قرارات تكساس مع هاجس أوسع لدى خصوم الإسلام السياسي في الولايات المتحدة: ليس فقط مواجهة الخطاب المتشدد، بل منع تحول المؤسسات المدنية إلى قنوات لإعادة إنتاج النفوذ التنظيمي تحت عناوين العمل المجتمعي وحقوق الأقليات والمشاركة السياسية.
حين يصبح الخوف أداة
لا تكمن دلالة الإلغاء في خسارة مؤتمر واحد، بل في إظهار كيف يمكن لقرار سياسي وأمني أن يتحول إلى أداة ردع مؤسسي؛ فالجامعة لم تكن بحاجة إلى إصدار حظر مباشر؛ يكفي أن تصبح استضافة جهة مصنفة عبئاً سياسياً وقانونياً وأمنياً حتى تتراجع المؤسسات من تلقاء نفسها.
هنا تكمن فاعلية هذا النوع من الضغط، إذ إن السلطة لا تحتاج إلى ملاحقة كل نشاط أو التدخل في كل قاعة، بل يكفي أن ترفع كلفة التعامل مع الجهات المستهدفة إلى مستوى يجعل الجامعات والمؤسسات المدنية تعيد حساباتها قبل فتح أبوابها أمامها.
والنتيجة أن المساحة المتاحة لبناء النفوذ تبدأ بالانكماش من دون قرارات حظر متتالية أو معارك علنية. عندما تصبح الاستضافة مخاطرة، والشراكة عبئاً، والمنصة مسؤولية محتملة، تتحول المؤسسات نفسها إلى خط دفاع أول في مواجهة الشبكات التي تحاول توسيع حضورها داخل المجتمع.
هذا تحديداً ما يجعل إلغاء المؤتمر مهماً، لأن الفعالية كانت موجهة إلى الشباب، وتتضمن تدريباً على التنظيم المجتمعي والتأثير في صنّاع القرار، أي أنها لم تكن مجرد نشاط عابر، بل مساحة محتملة لبناء أدوات نفوذ وشبكات جديدة. وإغلاق هذه المساحة يعني قطع إحدى القنوات التي يمكن عبرها تحويل النشاط الطلابي إلى حضور سياسي ومدني أكثر اتساعاً.
إن المعركة في تكساس لا تدور فقط حول اسم منظمة أو مؤتمر أُلغي، بل حول القدرة على بناء النفوذ من داخل المؤسسات الأمريكية. وكلما اتسعت دائرة الحذر المؤسسي تجاه الجهات المصنفة، أصبحت مهمة إعادة إنتاج شبكات النفوذ أكثر صعوبة، حتى من دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة في كل مرة.
المعركة على الجيل الجديد
من هنا، تتجاوز قضية المؤتمر “كير” المنظمة نفسها، لتصبح اختباراً لمدى قدرة تكساس على تجفيف البيئات التي تسمح لشبكات الإسلام السياسي ببناء نفوذها. فإذا تحولت الجامعات والمؤسسات المدنية إلى مؤسسات أكثر تشدداً في التعامل مع الجهات المصنفة، فإن هامش الحركة أمام هذه الشبكات سيتقلص من دون الحاجة إلى حظر كل نشاط على حدة.
لذلك، لا يمثل إلغاء المؤتمر حادثة منفصلة، بل جزءاً من معركة أوسع هدفها قطع الطريق أمام إعادة إنتاج النفوذ داخل المؤسسات الأمريكية. وإذا أرادت تكساس مواصلة هذا المسار، فسيكون التحدي في تفكيك الشبكات المرتبطة بالمشروع السياسي للإسلاميين من دون الاكتفاء باستهداف الواجهات أو الاكتفاء بالتصنيفات.
لا تكمن أهمية إلغاء مؤتمر «كير-تكساس» في المؤتمر نفسه، بل في ما يعكسه من تحوّل في تعامل المؤسسات الأمريكية مع الجهات المرتبطة، أو المصنفة على ارتباطها، بشبكات الإسلام السياسي. غير أن نجاح هذا المسار لا يقاس بإلغاء الفعاليات، بل بمدى القدرة على التمييز بين النشاط المدني المشروع ومحاولات توظيفه لبناء نفوذ سياسي أو أيديولوجي، من دون المساس بالحريات المدنية.















