بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير جيوسياسي

من “أبو الظهور” إلى عمّان.. واشنطن تعيد هندسة قواعد اللعبة بين سوريا وإسرائيل

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

أعاد اجتماع عمّان الخط الأمني بين دمشق وتل أبيب إلى الواجهة، لكنه لم يعُد هذه المرة مجرّد قناة لاحتواء أزمة عابرة، فالاجتماع الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومدير الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان، برعاية أمريكية واستضافة أردنية، جاء بعد ضربة “أبو الظهور” التي كشفت هشاشة التفاهمات القائمة، وأظهرت أن الخلاف بين الطرفين لم يعد محصوراً في الحدود والاستهدافات، بل بات مرتبطاً بصورة سوريا التي ستنشأ بعد سقوط نظام بشار الأسد.

تبدو واشنطن أمام مهمة أكثر تعقيداً من التوسط بين دمشق وتل أبيب، فهي تحاول بناء صيغة أمنية جديدة تمنع إسرائيل من تحويل مخاوفها إلى عمليات عسكرية مفتوحة، وتمنح سوريا هامشاً لإعادة بناء مؤسساتها، وفي الوقت نفسه تضبط التنافس التركي-الإسرائيلي الذي بدأ يتحول إلى أحد أخطر مصادر عدم الاستقرار داخل سوريا.

أبو الظهور يكشف المعضلة

كشفت ضربة قاعدة أبو الظهور في 18 أغسطس/آب جوهر الأزمة التي تحاول محادثات عمّان احتواءها، فإسرائيل لم تتعامل مع الموقع باعتباره هدفاً عسكرياً معزولاً، بل باعتباره جزءاً من تحول محتمل في ميزان القوى داخل سوريا.

تل أبيب ربطت العملية بمخاوفها من انتشار عسكري تركي ومن احتمال نقل منظومات رادار ودفاع جوي إلى القاعدة، فيما نفت دمشق وأنقرة وجود ترتيبات لإنشاء قاعدة تركية دائمة. لكن أهمية الخلاف لا تكمن في صحة الروايتين بقدر ما تكشفه الضربة عن حدود السيادة السورية في المرحلة الجديدة.

إن دمشق تريد بناء جيش ومؤسسات أمنية قادرة على فرض السيطرة على أراضيها، بينما تريد إسرائيل التأكد من أن عملية إعادة البناء هذه لن تنتج قوة عسكرية يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى تهديد على حدودها.

وهنا تنشأ المفارقة: إسرائيل تريد سوريا مستقرة، لكنها لا تريد سوريا قوية عسكرياً؛ ودمشق تريد استعادة الدولة تحديداً عبر إعادة بناء قدراتها العسكرية والأمنية.

واشنطن تدير التناقضات

لا تتحرك الولايات المتحدة نحو اتفاق سلام سريع، بل نحو إدارة هذا التناقض قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة.

وتكشف طبيعة الوساطة الأمريكية أن واشنطن تدرك أن المشكلة لم تعد سورية-إسرائيلية فقط؛ فتركيا أصبحت لاعباً أساسياً في إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية، وإسرائيل تعتبر أي توسع تركي عسكري داخل سوريا تهديداً محتملاً، بينما لا تستطيع دمشق الاستغناء عن الدعم التركي في مرحلة إعادة بناء الدولة.

يتجاوز الدور الأمريكي تقريب وجهات النظر. واشنطن تحاول رسم حدود الحركة لكل طرف: ماذا تستطيع سوريا أن تفعل داخل أراضيها، ما الذي تعتبره إسرائيل تهديداً، وما هو حجم الدور التركي الذي يمكن احتواؤه من دون تفجير العلاقة بين أنقرة وتل أبيب.

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن إنشاء آلية اتصال أو غرفة عمليات بإشراف أمريكي في الأردن. فإذا تحولت الفكرة إلى واقع، فإنها ستؤسس لنموذج جديد يقوم على منع الأزمة قبل انفجارها، بدلاً من انتظار الضربة العسكرية ثم البحث عن وسيلة لوقفها.

دمشق تريد استعادة السيادة

تدخل دمشق المفاوضات من موقع مختلف عن السنوات السابقة، فهي لم تعد تفاوض نيابة عن نظام يسعى إلى البقاء، بل تحاول تثبيت دولة خارجة من حرب طويلة وإعادة بناء مؤسساتها.

لا يمكن للحكومة السورية قبول اتفاق يحول أراضيها إلى منطقة أمنية مفتوحة أمام التدخل الإسرائيلي، كما لا تستطيع قبول ترتيبات تمنعها من إعادة بناء جيشها.

في المقابل، تحتاج دمشق إلى تهدئة مع إسرائيل؛ فالضربات المتكررة لا تهدد فقط منشآت عسكرية، بل تضرب مشروع إعادة بناء الدولة نفسه، وتضعف قدرة الحكومة على احتكار السلاح والقرار الأمني. لذلك يبدو الاتفاق الأمني بالنسبة إلى دمشق وسيلة لاستعادة السيادة، لا تنازلاً عنها.

وهذه نقطة مركزية في فهم المفاوضات: كلما حصلت سوريا على ضمانات تمنع التدخل العسكري الإسرائيلي، أصبحت أكثر قدرة على تقديم ضمانات أمنية لإسرائيل.

إسرائيل تبحث عن ضمانات

أما إسرائيل، فتبحث عن شيء مختلف: ضمان أن سوريا الجديدة لن تتحول إلى جبهة عسكرية أخرى. فبعد تراجع النفوذ الإيراني، لا تريد تل أبيب أن تستبدل خطراً بآخر. ولذلك تراقب الدور التركي، وطبيعة إعادة بناء الجيش السوري، ومصير منظومات الدفاع الجوي، وأي قدرات يمكن أن تحد من حرية عمل طيرانها.

وهذا يفسر لماذا لم يكن التواصل الأمني بين دمشق وتل أبيب كافياً لمنع ضربة “أبو الظهور”. فالمشكلة لم تكن غياب الاتصال، بل اختلاف تعريف الطرفين للخطوط الحمراء.

إسرائيل تريد خطوطاً حمراء قابلة للفرض بالقوة إذا تجاوزتها دمشق، بينما تريد الأخيرة قواعد واضحة تمنع استخدام القوة الإسرائيلية كأداة لإعادة تعريف تلك الخطوط بصورة مستمرة.

ومن دون معالجة هذا التناقض، سيظل أي اتفاق معرضاً للانهيار.

تركيا تعيد رسم المعادلة

أصبح الدور التركي المتنامي العامل الأكثر تعقيداً في المسار السوري-الإسرائيلي، أنقرة تريد المساهمة في إعادة بناء المؤسسات السورية، وتحديداً المؤسسة العسكرية، بينما تنظر إسرائيل إلى أي دعم تركي لقدرات عسكرية سورية متقدمة باعتباره تطوراً يجب مراقبته ومنعه إذا تجاوز سقفاً معيناً.

وهذا يضع دمشق بين قوتين إقليميتين: تركيا التي تساعدها على إعادة بناء الدولة، وإسرائيل التي تملك القدرة على ضرب ما تعتبره تهديداً داخل الأراضي السورية.

لكن استمرار الضغط الإسرائيلي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ فبدلاً من تقليص الدور التركي، قد يدفع دمشق إلى تعميق شراكتها مع أنقرة باعتبارها إحدى أدوات موازنة القوة الإسرائيلية. وهنا تتحول سوريا إلى ساحة تنافس غير مباشر بين دولتين إقليميتين، ما يجعل التدخل الأمريكي ضرورة أكثر منه خياراً.

اتفاق أمني قبل السلام

لا تبدو معاهدة السلام قريبة، لكن ذلك لا يعني أن المسار الحالي بلا قيمة استراتيجية، إذ إن الطريق الأكثر واقعية يبدأ باتفاق أمني، وليس بتسوية سياسية شاملة. ويمكن لهذا الاتفاق أن يتناول وقف الضربات، وضبط التحركات العسكرية، وترتيبات المنطقة العازلة، وآليات الاتصال، والحد من احتمالات الاحتكاك.

أما الجولان، فيبقى خارج هذا المسار في الوقت الراهن. دمشق لا تستطيع التخلي عن المطالبة به، وإسرائيل ليست مستعدة لفتح ملفه في هذه المرحلة. لذلك ستسعى واشنطن على الأرجح إلى فصل ما يمكن الاتفاق عليه الآن عما يستحيل الاتفاق عليه سياسياً.

وهذا الفصل قد يسمح ببناء الثقة تدريجياً. لكنه لن يكون دائماً. فإذا نجحت التهدئة، ستنتقل دمشق عاجلاً أم آجلاً إلى المطالبة بثمن سياسي، فيما ستطالب إسرائيل بضمانات أمنية طويلة الأمد.

تداعيات تتجاوز سوريا

نجاح المسار سيعيد ترتيب حسابات إقليمية واسعة. الأردن سيكون من أبرز المستفيدين من استقرار الجبهة السورية، كما ستجد دول الخليج في تهدئة الصراع فرصة لتعزيز اندماج دمشق في محيطها العربي.

أما إيران، فستواجه بيئة أكثر صعوبة. فكلما استعادت الدولة السورية احتكار القرار العسكري والأمني، تراجع هامش الحركة أمام شبكات النفوذ الخارجية.

وفي المقابل، ستجد تركيا نفسها أمام اختبار دقيق: الحفاظ على نفوذها داخل سوريا من دون تحويله إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو عقبة أمام المسار الذي ترعاه واشنطن.

أما إسرائيل، فقد تحصل للمرة الأولى منذ سنوات على فرصة للتعامل مع دولة سورية مركزية يمكن التفاوض معها حول ترتيبات أمنية واضحة، بدلاً من إدارة مجموعة من التهديدات والفاعلين على الأرض.

عمّان تختبر المستقبل

لا يمثل اجتماع عمّان بداية سلام سوري-إسرائيلي، لكنه قد يكون بداية المسار الذي يجعل السلام ممكناً لاحقاً؛ فالاختبار الحقيقي ليس قدرة الطرفين على عقد اجتماع، وإنما قدرتهما على تحويل التفاهمات إلى قواعد تمنع العودة إلى منطق الضربة والرد.

إذا نجحت واشنطن في إنشاء آلية اتصال فعالة، وضبطت التنافس التركي-الإسرائيلي، وأقنعت دمشق بتقديم ضمانات أمنية قابلة للتنفيذ، فقد يتحول الاتفاق الأمني إلى أول لبنة في تسوية أكبر.

أما إذا استمرت إسرائيل في استخدام القوة لإدارة مخاوفها، واستمرت دمشق في اعتبار أي قيود على قدراتها انتقاصاً من سيادتها، فإن المسار سيبقى هشاً. لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي طرحته عمّان ليس ما إذا كانت سوريا وإسرائيل ستوقعان السلام، بل من سيرسم قواعد القوة في سوريا الجديدة.

إذا نجحت واشنطن في فرض هذه القواعد، قد تصبح سوريا نموذجاً لانتقال المنطقة من إدارة الصراعات إلى إعادة ترتيبها. أما إذا فشلت، فقد تتحول “أبو الظهور” من مجرّد ضربة عسكرية إلى أول مؤشر على صراع أوسع بين دمشق وتل أبيب وأنقرة، تكون ساحته سوريا ومستقبله إقليمياً.