بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

نفوذ مالي

ملوك السياسة الأميركية الجدد.. “الكريبتو” والتكنولوجيا والمراهنات تُغذي إنفاقاً قياسياً على انتخابات التجديد النصفي 2026

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

لفترة طويلة، احتكرت “وول ستريت” وشركات النفط والأدوية والإعلام النفوذ المالي في أروقة السياسة الأميركية. لكن دوام الحال من المُحال، ويبدو أن البوصلة تغيّرت في السنوات الأخيرة. فقد برز تحالف جديد من القطاعات التي لم تكن موجودة، أو بالأحرى، لم تكن تملك وزناً اقتصادياً يُذكر قبل جيل واحد، وهي العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي والمراهنات عبر الإنترنت. ومن المؤكد، أن دورها سيكون مؤثراً في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

تضخ هذه القطاعات، مدعومة بثروات مليارديرات جدد، أموالاً قياسية في السباق على مجلسي النواب والشيوخ، لاختيار حلفاء قادرين على صياغة القواعد التي ستحدد مستقبل أعمالها. ووفق بيانات حللتها منظمة “بابلك سيتيزن”، أنفقت الشركات الأميركية 517 مليون دولار على انتخابات الكونغرس خلال 15 شهراً حتى نهاية الربع الأول من 2026، متجاوزة الرقم القياسي البالغ 461 مليوناً خلال دورة انتخابات 2024 بأكملها.

موجة إنفاق كبرى

لا تعكس الـ517 مليون دولار تلك الحجم النهائي، بل تمثل الأموال المعلنة حتى نهاية الربع الأول، قبل موجة الإنفاق الكبرى التي تسبق يوم الاقتراع. وتشير تقديرات شركة أبحاث الإعلانات السياسية، “أد إمباكت”، إلى أن إجمالي الإنفاق على الإعلانات السياسية لانتخابات التجديد النصفي الحالية قد يصل إلى 11.6 مليار دولار، في مستوى قياسي يتجاوز 11.2 ملياراً المسجلة في دورة 2024 و8.9 ملياراً في انتخابات التجديد النصفي للعام 2022.

لكن اللافت ليس حجم الأموال فقط، وإنما مصدرها أيضاً. فقد استحوذت شركات العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الكبرى والمراهنات الإلكترونية على 57% من الإنفاق المؤسسي المعلن، بينما بلغت مساهمات قطاعات العملات المشفرة وحدها 189 مليون دولار، أي نحو 37% من الإجمالي.

وهنا تكمن نقطة التحول: هذه الشركات لا تدخل السياسة لمجرد دعم حزب أو أيديولوجيا، بل للتأثير في قواعد تنظيمية قد تحدد قيمتها السوقية ومجال توسعها لسنوات.

“فيرشيك”.. سلاح غيّر قواعد اللعبة

كانت صناعة العملات المشفرة أول من اكتشف قوة هذا النموذج. ففي انتخابات 2024، استخدمت شركات مثل “كوين بيس” و”ريبل”، إلى جانب شركة رأس المال المغامر “أندريسن هورويتز”، لجنة العمل السياسي الكبرى “فيرشيك” لتمويل مرشحين مؤيدين للعملات المشفرة، بغض النظر عن انتمائهم الحزبي.

وكان أبرز أهدافها آنذاك السناتور الديمقراطي شيرود براون، أحد أكثر منتقدي القطاع في الكونغرس، الذي خسر مقعده في أوهايو. وأثبتت التجربة أن بإمكان قطاع صناعي واحد توجيه عشرات الملايين ضد مرشحين يعتبرهم عقبة أمام أجندته التنظيمية.

بدأت “فيرشيك” العمل العام 2026 بنحو 193 مليون دولار من رأس المال، ولا يزال لديها قرابة 130 مليوناً للإنفاق، بحسب الإفصاحات. كما ضخ مؤسسا شركة “أندريسن هورويتز”، مارك أندريسن وبن هورويتز، 4 ملايين دولار من أموالهما الخاصة، بينما قدمت الشركة أكثر من 81 مليوناً إلى لجان مرتبطة بالعملات المشفرة والذكاء الاصطناعي، بينها 23.8 مليوناً على الأقل لـ”فيرشيك”.

والأهم أن النموذج تجاوز العملات المشفرة. فقد بدأت قطاعات أخرى تتعلم أن المال الانتخابي يمكن أن يعمل كسلاح تنظيمي: ادعم من يوافقك، وعاقب من يعارضك، ولا تجعل الولاء الحزبي شرطاً.

الذكاء الاصطناعي يدخل حلبة النفوذ

إذا كانت العملات المشفرة قد فتحت الباب، فإن الذكاء الاصطناعي دخل منه بسرعة غير متوقعة. ففي انتخابات 2024 كان حضور القطاع، سياسياً، محدوداً نسبياً، أما الآن فقد أصبح لاعباً مستقلاً يمتلك شبكات مالية ضخمة.

وفي يونيو/حزيران وحده، أنفقت مجموعات مدعومة من “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، أو مسؤولين فيهما، أكثر من 23 مليون دولار على مرشحين ديمقراطيين متنافسين في دائرة انتخابية ليبرالية في نيويورك، في مشهد وصفه مراقبون بأنه صراع بين مصالح شركات الذكاء الاصطناعي أكثر منه منافسة تقليدية بين مرشحين.

وجمعت لجنة تمويل العمل السياسي “Leading the Future” نحو 140 مليون دولار للانتخابات النصفية، بدعم من غريغ بروكمان، أحد مؤسسي “أوبن إيه آي”، وزوجته، إضافة إلى “أندريسن هورويتز”. وفي المقابل، قدمت “أنثروبيك” ما لا يقل عن 40 مليون دولار عبر منظمة غير ربحية سياسية، بينما ارتبط رئيسها التنفيذي داريو أمودي بلجنة سياسية أخرى.

ولا يتعلق الصراع فقط بمن سيفوز في الانتخابات، بل بنموذج التنظيم نفسه: حدود سلطة الحكومة على نماذج الذكاء الاصطناعي، وتنظيم البيانات، والبنية التحتية لمراكز البيانات، والطاقة اللازمة لتشغيلها، والرقابة على الصادرات، وقواعد المنافسة. وفي النصف الأول من 2026، رفعت شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى أيضاً إنفاقها على الضغط السياسي في واشنطن إلى مستويات قياسية، ما يؤكد أن المعركة تجري داخل الكونغرس وخارجه في آن واحد.

المراهنات تتبع الوصفة نفسها

لم تتأخر صناعة المراهنات الرقمية عن ركب الداعمين. فقد ضخت “درافت كينغز” و”فان ديويل” و”فانتيكس” و”365Bet” أكثر من 72 مليون دولار في انتخابات التجديد النصفي، لتصبح ثالث أكبر قطاع مؤسسي مانح وفق تقديرات “بابلك سيتيزن”.

وأظهرت الوثائق أن شركة “بولي ماركت” المتخصصة في التنبؤات تبرعت بشكل منفصل بمبلغ مليون دولار في يونيو/حزيران، عبر شركتها الأم “بلوكراتايز”، إلى لجنة عمل سياسي جمهورية مدعومة من رئيس مجلس النواب مايك جونسون.

تستخدم هذه القطاعات شبكة معقدة من لجان العمل السياسي الكبرى، ولجان فرعية ومنظمات “أموال الظل” التي لا تضطر دائماً إلى الكشف عن مموليها. وتستطيع إنفاق مبالغ غير محدودة على الإعلانات وحشد الناخبين وتنظيم الفعاليات، وإن كانت غير قادرة على التبرع مباشرة للمرشحين أو التنسيق معهم.

كما أن عمالقة التقنية دخلوا اللعبة. فقد تبرعت “ميتا” بنحو 65 مليون دولار إلى أربع لجان سياسية كبرى لدعم مرشحين من الحزبين في ولايات عدة، وأنفق إيلون ماسك أكثر من 90 مليوناً على انتخابات 2026، مع توقعات بالمزيد قبل نوفمبر/تشرين الثاني.

وهكذا لم يعد السؤال ببساطة: أي حزب سيحكم واشنطن؟ بل أيضاً: أي القطاعات ستملك القدرة على تحديد ما الذي يناقشه ذلك الحزب؟

نفوذ جديد.. ومخاوف قديمة

تتصاعد الانتقادات بأن هذا النهج يهدد بتحويل السياسة الأميركية إلى ساحة تتنافس فيها مصالح قطاعات ضيقة على حساب القضايا اليومية للناخبين. وفي الوقت نفسه، تؤكد تجارب انتخابية سابقة أن وفرة المال لا تضمن النصر دائماً. 

وأظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الأميركيين ترى أن الأموال في السياسة أصبحت مفرطة، كما يحاول بعض المرشحين الديمقراطيين التقدميين بناء حملاتهم على مواجهة نفوذ المانحين الأثرياء والشركات.

ومع ذلك، فإن الاتجاه يصعب تجاهله. فهذه الانتخابات لا تشهد مجرد ارتفاع في الإنفاق، بل انتقالاً في مركز الثقل السياسي نفسه. القطاعات التي كانت حتى وقت قريب تطلب من واشنطن أن تفهم نماذج أعمالها، باتت تملك موارد مالية تمكّنها من التأثير في هوية من يصل إلى مواقع السلطة، ومن يضع القواعد التي تحكم مستقبلها.

اليوم تصنع العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي والمراهنات شبكات نفوذها، وغداً قد تجد قطاعات ناشئة أخرى أن أفضل طريقة لحماية نموذج أعمالها ليست انتظار القانون، بل المشاركة في اختيار من يكتبه.