تعيش جنوب إفريقيا واحدة من أكثر موجات التوتر المرتبطة بالهجرة منذ سنوات، بعدما دعت جماعات مناهضة للأجانب جميع المهاجرين غير النظاميين إلى مغادرة البلاد، عقب احتجاجات واسعة أثارت مخاوف من تكرار أعمال العنف التي وقعت في أكثر من مناسبة خلال العقدين الماضيين.
ومع تصاعد التوتر، دفعت السلطات بقوات كبيرة من الشرطة إلى شوارع جوهانسبرغ ومدن أخرى، فيما أغلقت متاجر أبوابها، ولجأ آلاف المهاجرين، خصوصاً القادمين من زيمبابوي ومالاوي وموزمبيق وإثيوبيا ونيجيريا، إلى مراكز إيواء مؤقتة أو بدأوا العودة إلى بلدانهم خوفاً من الاعتداءات.
تقود الاحتجاجات جماعات مدنية وأحزاب صغيرة، أبرزها حركتا “مارش آند مارش” و”جنوب إفريقيا المتحدة”، اللتان تتهمان المهاجرين غير النظاميين بالاستحواذ على الوظائف، واستنزاف الخدمات العامة، ورفع معدلات الجريمة، بينما تنشط هذه الجماعات بصورة واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث رصدت وكالات تحقق انتشار معلومات مضللة بشأن أعداد المهاجرين ودورهم في الاقتصاد.
من الشارع إلى الحدود
لطالما شهدت جنوب إفريقيا موجات عنف ضد الأجانب. فمنذ العام 2008 استهدفت سلسلة من الهجمات مهاجرين من دول إفريقية، أسفرت عن عشرات القتلى ومئات الجرحى وآلاف النازحين، قبل أن تتكرر أعمال العنف في الأعوام 2015 و2019 و2021 بصورة متقطعة.
وتستقطب البلاد، بوصفها أكبر اقتصاد في إفريقيا، ملايين العمال من الدول المجاورة الباحثين عن فرص عمل، لا سيما من زيمبابوي وموزمبيق وليسوتو ومالاوي، إضافة إلى لاجئين ومهاجرين من منطقة القرن الإفريقي وغرب إفريقيا.
لكن هذا التدفق تزامن خلال السنوات الأخيرة مع تباطؤ اقتصادي واضح، وارتفاع البطالة إلى أكثر من 30%، بينما تبلغ بطالة الشباب نحو نصف القوة العاملة الشابة، فضلاً عن أزمة كهرباء مزمنة، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، وارتفاع معدلات الجريمة، وهي عوامل جعلت ملف الهجرة يتحول إلى أحد أكثر القضايا حساسية في البلاد.
بين الرواية والواقع
تستند الجماعات المناهضة للمهاجرين إلى أربع فرضيات رئيسة، مفادها أن البلاد تشهد تدفقاً هائلاً للمهاجرين غير النظاميين، وأن هؤلاء يستحوذون على الوظائف، ويقفون وراء ارتفاع الجريمة، ويستنزفون المستشفيات والمدارس. غير أن البيانات الرسمية ترسم صورة مختلفة.
فهيئة الإحصاء في جنوب إفريقيا قدرت عدد المهاجرين المقيمين في البلاد بنحو 3.1 ملايين شخص في العام 2023، أي ما يعادل 4.1% فقط من السكان، وهي نسبة أقل من مثيلاتها في دول مثل بريطانيا وكندا وأستراليا.
كما لا تُظهر البيانات المتاحة أن الأجانب يشكلون غالبية مرتكبي الجرائم. فبحسب إحصاءات سابقة لوزارة العدل، هم يمثلون نحو 6% من نزلاء السجون، وجزء كبير من تلك القضايا مرتبط بمخالفات قوانين الهجرة.
أما على الصعيد الاقتصادي، خلص تقرير للبنك الدولي إلى أن نشاط المهاجرين لا يقتصر على المنافسة في سوق العمل، بل يسهم أيضاً في خلق فرص عمل جديدة عبر الاستثمار والإنفاق على السلع والخدمات المحلية، فيما تشير دراسات اقتصادية إلى أن تراجع الخدمات العامة يرتبط بصورة أكبر بضعف الاستثمار والفساد والإدارة الحكومية أكثر من ارتباطه بوجود المهاجرين.
انتخابات تعيد إشعال الملف
جاءت الاحتجاجات الحالية في توقيت سياسي حساس. فجنوب إفريقيا تستعد لانتخابات الحكومات المحلية في نوفمبر المقبل، بعد عامين فقط من الانتخابات العامة التي خسر فيها حزب المؤتمر الوطني الإفريقي أغلبيته البرلمانية للمرة الأولى منذ نهاية نظام الفصل العنصري.
ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، تحول ملف الهجرة إلى إحدى أبرز أدوات الاستقطاب السياسي، إذ تتنافس أحزاب وجماعات مختلفة على استثمار حالة الغضب الشعبي الناجمة عن البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن المزاج العام أصبح أكثر تشدداً تجاه المهاجرين. فقد أظهر استطلاع لمجلس البحوث الإنسانية أن نحو 42% من الجنوب إفريقيين لا يرغبون في استقبال أي أجانب، مقارنة بثلث السكان فقط قبل سنوات قليلة، فيما أظهر استطلاع “أفروباروميتر” أن 85% منهم يؤيدون تقليص أعداد اللاجئين أو وقف استقبالهم، بينما كشف استطلاع “إبسوس” أن نحو ثلاثة أرباع المشاركين لا يثقون بالمهاجرين القادمين من بقية الدول الإفريقية.
وبينما يستمر انتشار قوات الشرطة لمنع تحول الاحتجاجات إلى أعمال عنف، تجد جنوب إفريقيا نفسها أمام معادلة معقدة؛ فالهجرة أصبحت عنواناً لأزمة أوسع تتداخل فيها البطالة، وتباطؤ الاقتصاد، وتراجع الخدمات العامة، والاستقطاب السياسي، لتتحول مع كل موسم انتخابي إلى أحد أكثر الملفات قدرة على تحريك الشارع وإثارة الانقسام داخل المجتمع.















