اختتمت في مدينة قابس، جنوب شرقي تونس، فعاليات النسخة الرابعة من ملتقى عبد الرزّاق حمودة للفنون التشكيلية تحت شعار “واحة فن بحر”. هذا الملتقى، الذي تأسّس قبل ثلاث سنوات، ينطلق من مقاربة جديدة ومختلفة عن الملتقيات والمهرجانات الثقافية والفنية التي تعرفها تونس في كل مدنها وقراها، المموّلة بالكامل تقريباً من الدولة، فهذا التجمّع الفنّي الذي استمر أسبوعاً كاملاً من 1 إلى 8 سبتمبر/أيلول بتمويل خاص من الفنان التشكيلي المقيم في مدينة جنيف السويسرية منذ أربعين عاماً، عبد الرزّاق حمّودة.
عندما يعود الفنان إلى جذوره
تأسيس ملتقى فني وفق هذه الصيغة الجديدة مبادرة نادرة في التاريخ الثقافي التونسي، خصوصاً عندما تأتي من فنان غير ثري ومن دون داعمين.
رغم البعد والترحال في مدن العالم منذ سنة 1976، تاريخ مغادرته لمدينته قابس، ظلّ حمّودة يحملها معه في علاقة شغف لفنّان مع مدينته، سواء خلال إقامته في باريس لدراسة اللّغات أو في اختياره لمدينة جنيف مستقراً أخيراً وتأسيس مرسمه الخاص وتدريس جماليات الخط العربي، ومشاركته في أكثر من ثلاثمائة معرض في أوروبا ومعظم الدول العربية وخاصة الخليج العربي، لكنّه في كل هذه الرحلات لم ينس مدينة طفولته وصباه: قابس التي وصفها الرحّالة الأندلسي أبوعبيد البكري بأنّها “جنّة الدنيا”.
عن تأسيس هذا الملتقى الذي يحمل اسمه قال حمّودة لـ”غلوبال واتش عربية”، إنّ “الحنين إلى مدينته دفعه إلى تأسيسه ليمنح فرصة لفناني المدينة للقاء فنانين من العالم والاطلاع على تجارب أخرى غير متاحة لهم”، ويضيف: “أعتبر هذا الملتقى جزءاً من رد الجميل لمدينة اكتشفت فيها الحياة وجمال الطبيعة بين البحر والواحة، وفي الغربة والبعد تكتشف عوالم طفولتك أكثر وتحنّ حتّى للسيئ فيها”.
أمّا عن اعتماده على موارده الذاتية فيقول: “عندما قرّرت بعث هذا الملتقى كنت أدرك الصعوبات الإدارية التي يمكن أن يتعرّض لها أي فنان، خاصة على مستوى التمويل، لذلك عوّلت على نفسي وبعض الأصدقاء المتطوعّين وسكّان حي المنصورة، الذي ولدت فيه، والذين التفّوا حول الملتقى بالدعم اللوجستي والمشاركة في الورشات خاصة للأطفال والشبّان، بمعنى ما هو فعل مواطني هدفه نشر الفن التشكيلي في الفضاء العام وخارج الفضاءات المغلقة، برسم الجداريات والمساهمة في نظافة الحي؛ فمنذ أن بدأت هذه التجربة صرت أضع كل مداخيل معارضي لتمويل الملتقى، فأنا كخطّاط أشارك أحياناً في بعض المعارض في سويسرا وأكتب الأسماء بالخطوط العربية لمن يريد وبهذا أموّل الملتقى”.
أجيال وتجارب
في هذه النسخة الرابعة يشارك ستة عشر فناناً من أجيال وتجارب مختلفة، منهم تونسيون وضيوف من ألمانيا وليبيا والبحرين وهو المعدّل السنوي تقريباً. ويتوزّع الفنانون بين الورشات ويعرضون أعمالهم المنجزة في حي المنصورة، وهو حي شعبي في مدينة قابس التي كانت من أجمل واحات المتوسط قبل أن يزحف إليها التلوّث بسبب المجمع الكيميائي الذي يطالب أهالي المدينة بتفكيكه للمخاطر البيئية والصحيّة التي تسبّب بها.
في مدينة تعاني من التلوّث وارتفاع عدد المصابين بأمراض الحساسية والسرطان والربو، يحاول عبد الرزّاق بن حمّودة فتح صفحة أخرى للجمال والحلم والأمل لأطفال وشبّان المنطقة بجهود خاصة، مدفوعاً بالحنين إلى طفولة لم تبق منها إلا جذوع النخيل اليابسة بسبب التلوّث، لكن الفن يحيي المدن أيضاً.















