بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

مفاوضات مسقط بين التسوية المؤقتة والانفجار الكبير: هل تشتري واشنطن وطهران الوقت أم تقتربان من المواجهة؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تعود المفاوضات الأمريكية–الإيرانية إلى الواجهة من العاصمة العُمانية مسقط، في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع المخاوف النووية مع التوترات الإقليمية وضيق هوامش المناورة السياسية. هذه الجولة لا تحمل وعود اختراق تاريخي، بل تأتي في إطار محاولة متبادلة لإدارة أزمة متفاقمة ومنع انزلاقها إلى مواجهة مفتوحة، في ظل انعدام الثقة وتراكم إخفاقات المسارات السابقة.

لم يكن نقل المفاوضات من تركيا إلى سلطنة عمان خطوة شكلية، بل تعبيراً عن تباينات عميقة حول طبيعة الحوار وأجندته. طهران فضّلت مسقط لما تمثّله من حياد تقليدي وقنوات تواصل موثوقة، ولرغبتها في حصر المفاوضات ضمن إطار ثنائي ضيق يركّز على الملف النووي والعقوبات، بعيداً عن أي توسيع قد يجرّ ملفات إقليمية أو أمنية أكثر حساسية. في المقابل، رأت واشنطن في عُمان خياراً عملياً يحافظ على القنوات الدبلوماسية مفتوحة من دون ضجيج سياسي أو ضغوط إقليمية مباشرة.

تسوية مرحلية لشراء الوقت

يبرز سيناريو التوصل إلى تسوية مرحلية بوصفه الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة. هذا المسار لا يستهدف حل الخلافات البنيوية بين الطرفين، بل تجميد أخطر عناصرها. الولايات المتحدة تسعى من خلاله إلى كبح اندفاعة البرنامج النووي الإيراني ومنع طهران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية، من دون الدخول في التزامات سياسية ثقيلة أو مواجهة داخلية مع الكونغرس وحلفاء إقليميين متوجسين من أي تنازل.

أما إيران، فتنظر إلى الاتفاق المؤقت كفرصة لتخفيف الضغط الاقتصادي الخانق، وفتح نافذة محدودة لالتقاط الأنفاس، من دون تقديم تنازلات استراتيجية قد تُقرأ داخلياً كخضوع أو تراجع. بهذا المعنى، يصبح الاتفاق المرحلي أداة لإدارة الأزمة لا حلاً لها، وقاعدة مؤقتة لتوازن هش بين التنازلات المحدودة والمكاسب التكتيكية.

على الرغم من جاذبية هذا الخيار للطرفين، يبقى الاتفاق المرحلي بطبيعته هشاً وقابلًا للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو أمني. فهو لا يعالج جذور الصراع، ولا يقدّم ضمانات طويلة الأمد، بل يؤجل لحظة الانفجار. كما أن التجارب السابقة تجعل الثقة المتبادلة شبه معدومة، ما يضع أي تفاهم مؤقت تحت رحمة المتغيرات الداخلية والإقليمية.

سيناريو الفشل والتصعيد

في المقابل، يظل سيناريو فشل المفاوضات حاضراً بقوة، بكل ما يحمله من مخاطر. انهيار الحوار قد يدفع واشنطن إلى تشديد العقوبات وتوسيع نطاقها، في محاولة لزيادة الضغط الاقتصادي والسياسي على طهران. في المقابل، قد تلجأ إيران إلى تسريع برنامجها النووي ورفع مستويات التخصيب، في رسالة تحدٍ مباشرة للمجتمع الدولي.

هذا التصعيد لا يُتوقع أن يبقى محصوراً في الإطار النووي، بل قد يمتد إلى ساحات إقليمية متعددة، حيث تتشابك المصالح وتتصاعد المواجهات غير المباشرة. وفي بيئة إقليمية مشحونة أصلاً، قد يتحول أي حادث أمني أو سوء تقدير إلى شرارة لمواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

دبلوماسية الضرورة لا الحل

بين خيار تسوية مؤقتة وتصعيد محتمل، تعكس مفاوضات مسقط واقع دبلوماسية الضرورة. فلا واشنطن قادرة على فرض رؤيتها الكاملة، ولا طهران مستعدة لتقديم تنازلات استراتيجية شاملة. في هذا التوازن الهش، يصبح الهدف الأساسي هو منع الأسوأ وتأجيل المواجهة، لا الوصول إلى سلام مستدام.

تقف المفاوضات الأمريكية–الإيرانية عند مفترق دقيق. مسقط ليست ساحة لحل نهائي، بل محطة لإدارة أزمة طويلة الأمد. قد تنجح هذه الجولة في شراء الوقت واحتواء الأخطر، لكنها تترك السؤال الجوهري معلّقاً: إلى متى يمكن تأجيل المواجهة قبل أن تفرض نفسها كخيار لا مفر منه؟