في البلدان التي تحترم نفسها، تُكرّم الجوائز من يستحقها من المبدعين والمفكرين والكتاب، وفي بعض البلدان الأخرى، يصعد إلى منصات التتويج أشخاصٌ سقطوا على المشهد الثقافي بالمظلات، فيما يُمنح الجديرون بالجوائز فرصة الوقوف في الصفوف الخلفية… من أجل التصفيق!
بعد فضيحة السرقة الأدبية التي كانت بطلتها وزيرة الثقافة المصرية السابقة جيهان زكي، اعتقد كثيرون أن المؤسسات الثقافية ستراجع نفسها، وتعمل على تفادي السقوط في مطبات مجلجلة، تسيء إلى سمعتها، وتجعلها عرضة للسخرية والتنمّر، لكن يبدو أن الفضائح الثقافية أصبحت مسلسلاً مصرياً، أبطاله أستاذة جامعيون ومسؤولون ثقافيون ومحسوبون على الفكر والإبداع، مليء بالمفاجآت والتقلبات الدرامية، لا تكاد تنتهي واحدة حتى تبدأ أخرى.
هذه المرة، لا تدور أحداث المسلسل حول انتحال كتاب، بل حول “قرصنة” جائزة. يتعلق الأمر بجائزة التفوق في فرع العلوم الاجتماعية التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة إلى وجوه بارزة في المشهد الفكري المصري. الجائزة التي أُعلن عن الفائزين بها قبل أيام، وهم عبد السلام نوير وأحمد القناوي ومنى زكي الحديدي، من بين 68 مرشحاً، ضمنهم باحثون وكتاب مرموقون، مثل خلف الميري أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة عين شمس، والكاتب الصحفي أكرم القصاص، والكاتب فؤاد مرسي، وأستاذ الفلسفة الإسلامية أحمد سالم… المحظوظون الثلاثة حصلوا على مائة ألف جنيه وميدالية فضية من المجلس الأعلى للثقافة. وإذا كان عبد السلام نوير أستاذ العلوم السياسية في جامعة أسيوط قد ألّف عدداً من الكتب والأبحاث العلمية، مثل زميله أحمد قناوي أستاذ الجغرافيا في جامعة المنصورة، فإن المشكلة مطروحة مع الفائزة الثالثة، منى الحديدي، التي كانت العام الماضي عضواً في لجنة تحكيم الجائزة نفسها، كما شغلت منصب مقررة الشباب في المجلس الأعلى للثقافة…
طبعاً، من حق اللجنة أن تعتبر أعمالها أكثر تماسكاً وثقلاً من مؤلفات الآخرين، خصوصاً أن اسمها “الحديدي”، الجوائز في النهاية تعكس ذائقة من يمنحها، وكثير من الذاتية تتحكم في قرارات لجان التحكيم، ويمكننا التغاضي عن شبهة تضارب المصالح، باعتبار الفائزة كانت مقررة في المجلس الأعلى الذي يختار المتوّجين. لكن المشكلة الكبرى أن من شروط الجائزة أن يكون المرشح قد نشر خمسة كتب على الأقل خلال ال15 سنة الأخيرة، وهو شرط لا يتحقق لدى منى الحديدي، التي لا تعرف لها مؤلفات في المكتبة، ما عدا بعض المقررات الجامعية والكتب المشتركة.
محسن عبد العزيز، المشرف على الصفحة الثقافية في جريدة “الأهرام”، الذي كان مرشحاً للجائزة، عبّر بمرارة عن خيبة أمله من لجنة التحكيم في عمود تحت عنوان: “أسئلة الجوائز.. غصة في الحلق”، مما جاء فيه: “لأول مرة يحصل على الجائزة شخصية نسائية ليس لها أي إنتاج فكري ولا حتى كتاب واحد، وكل علاقتها بالجائزة أنها كانت عضواً بلجنة تحكيم العام الماضي. السؤال: كيف تم قبول أوراق ترشحها؟”
الشرط واضح في قانون الجائزة: على المترشح أن يكون قد أصدر خمسة كتب. بندٌ بهذه البساطة لا يحتاج إلى لجنة خبراء لتفسيره، ولا إلى ندوة فلسفية لفهمه، ولا إلى مؤتمر دولي لإعادة تعريف كلمة “خمسة”، لكن يبدو أن لجنة التحكيم لديها مشكلة مع الحساب، ولا تتقن إلا تصفيته.
الثقافة هي الحصن الأخير، الذي يحمي المجتمعات من السقوط، ويفترض أن تنتصر للجدارة والاستحقاق، لا أن تصبح مجالاً للمضاربات والترضيات وتبادل الخدمات.
إذا كانت السرقة الأدبية تعني نقل كلمات الآخرين، فإن تجاوز شروط الجائزة يعني نقل الثقة من مكانها إلى مكان آخر، تخيّم عليه العتمة، وتتحرك فيه الأشباح، ولا يعرف أسراره إلا الضالعون في خبايا تقسيم “الكعكة الثقافية”.
حين تصبح الأسماء نفسها حاضرة في مواقع القرار، ولجان الاختيار، وقوائم الترشيح، ومنصات التتويج، فإن المشكلة لم تعد في الأشخاص، بل في نظام مُختلّ، تنخره المحسوبية وتضارب المصالح. بعد ان كان السؤال بين الكتاب والباحثين هو: ماذا أكتب؟ أصبح اليوم: من أعرف؟
عددُ المعارف بات أهم من عدد المؤلفات، والطريق إلى الجوائز لم يعد يمر من الإبداع، بل من شبكة العلاقات ودهاليز المصالح !







