عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

ثقافة

مراد وهبة: العلمانية بوصفها معركة وجود

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

لم يكن المشروع الفلسفي للمفكر المصري مراد وهبة، الذي غيّبه الموت يوم الأربعاء 7 يناير، عن عمر ناهز مائة عام، مجرّد تراكم لمؤلفات أكاديمية أو مقالات سجالية، بل كان مساراً فكرياً متكاملاً خاض من خلاله معارك متعددة ضد ما اعتبره العائق الأكبر أمام النهضة العربية: تعطيل العقل باسم المقدّس، وتقديس التراث بوصفه كياناً مغلقاً لا يُمسّ.

الفلسفة كممارسة نقدية

من يقرأ أعمال مراد وهبة يلاحظ سريعاً أن الفلسفة عنده ليست تأمّلاً تجريدياً، بل أداة تحليل وتفكيك. تأثّره الواضح بالفلسفة الغربية الحديثة، خاصة العقلانية النقدية وفلسفة التنوير، لم يكن استنساخاً، بل توطيناً. كان يسأل دائماً: لماذا تعثّر العقل العربي بينما ازدهر العقل الأوروبي؟

في كتبه حول العقلانية والعلمانية، لم يتعامل مع المفهومين كاستيراد أيديولوجي، بل كشرط تاريخي لقيام الدولة الحديثة. وقد اعتبر أن غياب العقل النقدي هو ما سمح بعودة الفكر الأسطوري في أشكال جديدة، أخطرها الأدلجة الدينية.

 قراءة التراث: مقاربة تفكيكية

من أبرز المعارك الفكرية التي خاضها مراد وهبة معركة قراءة التراث. فقد رفض الثنائية السائدة: إمّا تقديس كامل أو قطيعة تامة. دعا بدلاً من ذلك إلى تفكيك التراث، أي التعامل معه كنص تاريخي خاضع للزمان والمكان.

هذا الموقف جلب عليه انتقادات حادّة من التيارات المحافظة التي رأت في مشروعه تهديدًا لـ«الثوابت». لكنه كان واضحاً: التراث ليس مقدّساً، بل المقدّس هو حرية التفكير. وكان يؤكد أن أخطر ما أصاب العقل العربي هو تحويل اجتهادات بشرية إلى حقائق أبدية.

 العلمانية بوصفها معركة وجود

لم تكن العلمانية عند مراد وهبة موضوعاً نظرياً فقط، بل معركة وجودية. دافع عنها في سياق عربي يرى فيها كثيرون مرادفاً للإلحاد أو العداء للدين. لذلك ركّز في مؤلفاته ومحاضراته على الفصل المفاهيمي بين الدين بوصفه تجربة روحية، وتوظيف الدين سياسياً.

في هذا السياق، دخل في سجالات فكرية طويلة مع رموز التيار الديني، معتبراً أن الخلط بين المجالين هو ما قاد إلى العنف والتكفير وإقصاء الآخر. وقد دفع ثمن هذا الموقف حملات تشويه واتهامات جاهزة، لكنه لم يتراجع، لأن التراجع في نظره خيانة للعقل.

لم يكن مراد وهبة فيلسوف صالونات أو أستاذ جامعة منغلقاً في برج عاجي. كان مثقفاً إشكالياً، يرى أن دور المثقف هو إزعاج السائد لا تزيينه. معاركه لم تكن فقط مع الخطاب الديني، بل أيضًا مع الخطاب الثقافي التوفيقي الذي يحاول إرضاء الجميع. كان يعتبر هذا الخطاب شكلًا من أشكال الجبن الفكري، لأنه يهرب من طرح الأسئلة الجذرية حول الحرية، الدولة، والمواطنة.

 إرث من الأسئلة القلقة

ما يميّز أعمال مراد وهبة أنه لم يقدّم أجوبة نهائية، بل تركنا أمام شبكة من الأسئلة المقلقة:

  • هل يمكن قيام دولة حديثة بعقل تقليدي؟
  • هل النهضة ممكنة دون قطيعة معرفية مع التفكير الغيبي؟
  • هل المثقف العربي مستعد لدفع ثمن استقلاله الفكري؟

 هذه الأسئلة هي جوهر إرث مراد وهبة. فالمعارك التي خاضها لم تكن معارك هامشية ولا انتقائية، بل كانت معارك مدوية ضد بنية فكرية كاملة تخشى النقد وتُعادي الاختلاف.

في المحصّلة، مراد وهبة لم يكن فيلسوفاً يسعى إلى الشعبية، بل إلى المعنى. خاض معاركه بوعي أن الخسارة المادية أهون من خسارة العقل. ولعل أهمية فكره اليوم، بعد رحيله، تكمن في أنه يضعنا أمام خيار واضح: إمّا أن نواصل التفكير رغم الكلفة، أو نكتفي بتأبين العقول الشجاعة بعد فوات الأوان.

أهم مؤلفات مراد وهبة

  •     محنة العقل في الفكر العربي: من أشهر كتبه، وفيه يحلّل أسباب تعطّل العقل النقدي في الثقافة العربية، ويربط بين أزمة التفكير وهيمنة النقل والتقديس غير التاريخي للتراث.
  •     التراث والعقلانية: يطرح فيه رؤيته التفكيكية للتراث، رافضاً التقديس والقطيعة معاً، وداعياً إلى قراءة تاريخية نقدية تسمح بإعادة بناء الوعي.
  •     الفلسفة والعلمانية: كتاب يؤصّل فيه لمفهوم العلمانية فلسفياً، ويفصل بينها وبين الصورة الأيديولوجية أو الاتهامية السائدة في الخطاب العام.
  •     منطق العلمانية: عمل جدلي يشرح فيه أن العلمانية ليست موقفاً ضد الدين، بل شرطاً عقلياً لقيام دولة المواطنة والقانون، وحاجزًا ضد توظيف المقدّس سياسياً.
  •     العقل والحرية: يربط فيه بين تحرير العقل وإمكان تحقق الحرية الفردية والجماعية، معتبراً أن الاستبداد السياسي يتغذّى من الاستبداد الفكري.
  •     إشكاليات العقل العربي: يناقش فيه البنية الذهنية السائدة في الثقافة العربية، وكيف أُعيد إنتاج التفكير الأسطوري داخل الخطاب العربي المعاصر.
  •     الدين والعلمانية في السياق العربي: كتاب حواري يتناول سوء الفهم الشائع لمفهوم العلمانية، ويشرح خصوصيته في المجتمعات العربية.
  •     العقلانية والتنوير: يتتبع فيه جذور التنوير الغربي، محاولاً الإجابة عن سؤال: لماذا لم يتحوّل التنوير إلى مشروع تاريخي عربي مكتمل؟