بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

ملفات جيفري إبستين (6-6)

مختبر الشيطان: كيف حاول جيفري إبستين “هندسة البشرية” وتجميد الموت بأموال القاصرات؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

عندما داهمت المباحث الفيدرالية قصر جيفري إبستين في مانهاتن، عثر المحققون على ما كان متوقعاً: صور ضحايا، أشرطة فيديو، وأدوات مرتبطة بشبكة الاستغلال الجنسي. لكنهم وجدوا أيضاً ما لم يفهمه كثيرون في البداية: رأساً بشرياً مجسماً في غرفة المكتب، وكتباً نادرة عن “تحسين النسل”، ومخططات تفصيلية لعقار شاسع في نيو مكسيكو، صُمم لغرض واحد غريب ومقلق، وهو إنتاج سلالة بشرية فائقة.

انشغل الرأي العام بالجانب الجنسي الإجرامي من قصة إبستين، لكنه أغفل الدوافع الأيديولوجية الأعمق التي حرّكت هذا الرجل. جيفري لم يكن مجرد مفترس يبحث عن اللذة، بل كان يرى نفسه “صاحب رؤية”. كان مهووساً بفكرة أن جيناته فريدة ومتفوقة، وأن لديه واجباً أخلاقياً تجاه البشرية يتمثل في نشر هذه الجينات إلى الأبد.

في هذا التقرير، نفتح ملف “غسيل السمعة عبر العلم” (Science-Washing)، لنكشف كيف اشترى قواد طبقة النخبة تذكرة دخول إلى أعرق مختبرات هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، وكيف تتقاطع أوهامه مع فلسفة “ما بعد الإنسانية”، التي باتت تجذب مليارديرات التكنولوجيا اليوم.

“مزرعة الأطفال”: حلم “اليوجينيا” بثوب حديث

في صحراء نيو مكسيكو، حيث يمتلك إبستين عقار (Zorro Ranch) الهائل، لم تكن الخطط تقتصر على الحفلات والضيافة. وفق شهادات علماء ومفكرين زاروا المكان، من بينهم رائد الواقع الافتراضي جارون لانييه، بل كان يتحدث صراحة عن مشروعه الحقيقي: تحويل المزرعة إلى مصنع للأطفال.

الفكرة كانت صادمة في بساطتها ووحشيتها، تلقيح عشرين امرأة في وقت واحد بحيواناته المنوية، لإنتاج جيل جديد يحمل حمضه النووي “المتفوق”. لم يكن ذلك خيالاً أو مزحة ثقيلة، بل تصوراً جدياً ناقشه مع علماء بيولوجيا وجينات.

هذا المشروع ليس جنوناً فردياً عشوائياً، بل تطبيق حرفي لنظرية “اليوجينيا” (Eugenics)، أو “تحسين النسل”، وهي علم زائف ازدهر في القرن التاسع عشر، وتبنّته لاحقاً الأنظمة النازية، ويقوم على فكرة إكثار الصفات “الجيدة” واستئصال “الضعيفة”.

في عقل إبستين، لم تكن النساء، ولا سيما القاصرات، بشراً كاملي الأهلية، بل “أوعية بيولوجية” تُستخدم لنقل جيناته العبقرية إلى المستقبل. هذا المنظور يفسر هوسه بإحاطة نفسه بعلماء الجينات والبيولوجيا التطورية. لم يكن يبحث عن المعرفة، بل عن وصفة علمية لخلوده الجيني.

شراء “صك الغفران” من الأكاديمية

كيف سُمح لرجل بهذه الخلفية بالتجول بحرية في أروقة جامعات عريقة مثل هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT؟ الإجابة تكمن في معادلة أخلاقية قاسية: (طمع المؤسسات+غرور العلماء=عمى أخلاقي).

العلماء، حتى الحائزين على نوبل، يعيشون تحت ضغط تمويلي دائم. المنح الحكومية بطيئة، والبيروقراطية خانقة. في هذا الفراغ، ظهر إبستين كـ”مخلّص”. قدم المال السهل، شيكات بملايين الدولارات، من دون أسئلة أو قيود. لكنه لم يطلب أرباحاً مالية. طلب ما هو أثمن: الشرعية.

وبفضل تبرعاته، فرض نفسه في المؤتمرات، وجلس إلى جوار ستيفن هوكينج ومارفن مينسكي. كان يمارس “غسيل السمعة” بذكاء. في النهاية، من سيشك في رجل يمول أبحاث السرطان والذكاء الاصطناعي؟

الخطير أن كثيراً من العلماء اعتقدوا أنهم أذكى من أن يُستغلوا. أقنعهم إبستين بأن “العباقرة” فوق القواعد الأخلاقية التي تحكم البشر العاديين. وكشفت رسائل بريد إلكتروني لاحقاً، أن مديرين أكاديميين أطلقوا عليه لقب “فولديمورت”، وأخفوا اسمه عمداً كمصدر تمويل، ما يثبت أنهم كانوا يدركون قذارة اللعبة، لكنهم قبلوا المشاركة فيها مقابل المال.

هوس الخلود: تجميد الرأس وما بعد الإنسانية

الجانب الأكثر غرابة، وربما الأكثر دلالة، في شخصية إبستين كان هوسه بالخلود المادي. تقارير موثقة أفادت بأنه كان مهتماً بشركات “الكريونيكس” (Cryonics)، التي تسعى إلى تجميد الجثث أو الرؤوس بعد الموت، أملاً في إحيائها مستقبلاً عند تطور التكنولوجيا. أراد إبستين تجميد رأسه، بل وأجزاء أخرى من جسده، بوصفها رموزاً لقوته العقلية والجنسية.

هذا الهوس يربطه مباشرة بفلسفة “ما بعد الإنسانية”، التي تدعو إلى تجاوز حدود الجسد البشري عبر التكنولوجيا. وهي فلسفة لم تعد هامشية، بل باتت جزءاً من خيال وادي السيليكون.

اليوم، ينفق مليارديرات التكنولوجيا مبالغ خيالية على مشاريع إطالة العمر، ودمج الدماغ بالحاسوب، والهروب من الموت. الخطر لا يكمن في البحث العلمي ذاته، بل في الأيديولوجيا التي تقف خلفه: فكرة أن النخبة الثرية والذكية تستحق الخلود، وأن الأخلاق الحالية مجرد عائق مؤقت.

إبستين لم يكن سوى النسخة القذرة والمتطرفة من هذه الفلسفة. لكنه كشف جوهرها العاري: رغبة الإنسان في أن يصبح إلهاً، ولو على حساب الآخرين.

هل هناك إبستين جديد؟

السؤال الأخطر، ليس لماذا فعل إبستين ما فعل؟ بل، من يفعل ذلك الآن؟

في الواقع، لا تزال الأموال الخاصة، البعيدة عن الرقابة الحكومية الحقيقية، تُضخ في أروقة المختبرات العلمية، وأبحاث الدماغ، وتعديل الجينات، والذكاء الاصطناعي العام، وغيرها من الملفات الحساسة. فهل نضمن خلو هذه الأموال من الأجندات المشبوهة؟

كشفت قصة إبستين ثغرة مقلقة في نظام العلوم والأبحاث العالمي، وهي أن العلماء بحاجة ماسة للتمويل، والأثرياء يملكون المال والأجندات، والرقابة الأخلاقية على مصدر المال شبه غائبة، طالما أن الهدف يبدو “نبيلاً”.
قد لا يكون “الإبستين الجديد” متحرشاً جنسياً، لكنه قد يكون مهووساً بإنتاج فيروسات معدلة، أو التحكم بالعقول عبر الشرائح، أو احتكار تكنولوجيا الخلود للأغنياء. الخطر لم يعد في الجزيرة المعزولة، بل في المختبرات المعقمة!

العلم بلا ضمير: خراب للروح

قصة إبستين في أروقة العلم تجسد مقولة رابليه الشهيرة: “العلم بلا ضمير ليس إلا خراباً للروح”. إذ حاول استخدام العلم عطراً لإخفاء رائحة جرائمه، والأكثر رعباً، أنه وجد في أعلى قلاع المعرفة من يبيع له هذا العطر طوعاً.

هذه ليست قصة عن الماضي، بل إنذار للمستقبل. مستقبلٌ قد تتحول فيه البشرية إلى فئران تجارب، في مختبرات يمولها أثرياء يؤمنون، بصدق مرعب، أنهم آلهة يمشون على الأرض، وأننا مجرد أدوات لتحقيق خلودهم.