أثارت تهديدات صدرت من قيادات تنظيم الإخوان في السودان بضرب دول بالمنطقة وخارجها بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، مخاوف من استنساخ عمليات الإرهاب العابرة للحدود التي انطلقت من السودان في تسعينات القرن الماضي، وهي الفترة التي وُصفت بحقبة “الجمهورية الجهادية الأولى”.
الأسبوع الماضي توعد اللواء عبدالهادي عبدالباسط وهو ضابط متقاعد داعم لتنظيم الإخوان، بضرب دولة الإمارات وتشاد وإفريقيا الوسطى وكينيا وأثيوبيا. وقال عبدالباسط، إن للسودان “تجربة في الاستهداف الخارجي وإلحاق الأذى بالدول الأخرى”. وأضاف “معركتنا ليست محلية بل هي ضد دول تنعم بالراحة وتعادينا”.
تهديد قبلي مثير للجدل
قبل عبدالباسط بيوم واحد، هدد الزعيم القبلي المثير للجدل محمد الأمين ترك بضرب الولايات المتحدة، وقال وهو ناظر عموم قبائل شرق السودان “سنفتح موانئ البحر الأحمر في البلاد أمام روسيا لضرب الولايات المتحدة”.
منذ العام 1989 سيطر الوضع الأيدولوجي الذي يقوده الإخوان على السياسة السودانية، ومهد إيواء التنظيم لعدد من العناصر المتطرفة من مختلف بلدان العالم العربي، الطريق أمام تنفيذ عدد من الهجمات الإرهابية في عدد من الدول بين عامي 1995 و2000.
بعد إيواء أسامة بن لادن في العام 1991، وعدد من المتطرفين ومن ثم منح بعضهم جوازات سودانية، استخدم تنظيم الإخوان تلك العناصر في عمليات إرهابية عابرة للحدود شملت محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا في العام 1995، وضرب السفارات الأمريكية في كينيا ونيروبي في 1998 والبارجة “يو أس أس كول” في شواطئ اليمن في العام 2000.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في منتصف أبريل/نيسان 2023، حذر مراقبون من ارتباط مجموعات إخوانية متحالفة مع الجيش بتنظيمات إرهابية في الخارج.
خطر مستمر
يُنبه مراقبون إلى أن خطورة التهديدات الأخيرة تكمن في أنها تأتي من عناصر ذات ارتباط بالحقبة التي شهدت مشاركة التنظيم في الأنشطة الإرهابية العابرة للحدود.
في هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي عمار نجم الدين “المجموعات الإخوانية المُتصدرة للمشهد الحالي ليست جماعات جديدة، بل “امتداد عضوي لمجموعات جهادية صنعها أسامة بن لادن داخل السودان بالتعاون مع تنظيم الإخوان ولا تزال تضم عناصر فاعلة مثل الناجي عبد الله وغيره”.
ويصف نجم الدين تنظيم الإخوان بأنه “شبكة دولية تعمل بآليات موازية لشبكات الجهاد المعولم”، ويوضح “كان السودان قبل ثلاثة عقود مسرحاً صناعياً مُعدّاً لتجارب الإسلام السياسي العابر للقارات، ففي الخرطوم، وبغطاء دولة كاملة، صُنعت النواة الأولى للقاعدة. وخرج أسامة بن لادن للعالم، ليس كفرد هارب، بل كرأس شبكة ترعاها حكومة وتوفر لها التمويل والأرض والمأوى، والقدرة على الحركة”.
يُشير نجم الدين إلى تورط قيادات في النظام الحالي في تسهيل حركة المجموعات الإرهابية خلال فترة التسعينات، ويقول “ارتبط جبريل إبراهيم وزير المالية الحالي ببنية التمويل التي أسسها بن لادن داخل السودان عبر شبكات اقتصادية وواجهات متعددة، من بينها شركة عازة للنقل، التي عملت ضمن منظومة لوجستية واسعة خدمت مشروع التنظيم، واستخدمت كناقل للذخائر والمقاتلين من دول عربية وآسيوية، بما في ذلك عناصر تلقت دعماً من الحرس الثوري الإيراني”.
إعادة إنتاج البنية الجهادية القديمة
مع اندلاع الحرب الحالية، برزت كتيبة البراء ذات الارتباط الوثيق بتنظيم داعش، ما يؤكد استمرار البنية الجهادية القديمة التي أعادت إنتاج نفسها في شكل أكثر تطرفاً.
وعلى الرغم من إنكار قائد الجيش عبدالفتاح البرهان للاتهامات المتصاعدة عن الوجود الكثيف لعناصر الاخوان داخل الجيش والأجهزة الأمنية، إلا أن إثنان من قيادات التنظيم أكدا الأسبوع الماضي، سيطرة التنظيم على تلك الأجهزة.
في حين قال أحمد عباس، القيادي في التنظيم وحاكم إقليم سنار في وسط السودان في عهد المخلوع عمر البشير، إن عناصر التنظيم تشكل 75% من القوة الأمنية الموجودة على الأرض حالياً، أكد القيادي في الحركة الاسلامية عبدالحي يوسف أن عناصر التنظيم يسيطرون حتى على مكتب البرهان نفسه.
وقدرت لجنة تفكيك تنظيم الإخوان التي تشكلت في أعقاب الإطاحة بنظامهم في 2019، حجم سيطرة تنظيم الإخوان على أجهزة الدولة بعد انقلاب البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021، بنحو 95%.
مخاوف جدية
يقول مراقبون إن المجتمع الدولي يتعامل مع هذه التهديدات بصرامة شديدة منعاً لتكرار ما وقع من هجمات خطيرة مصدرها تنظيم الإخوان السوداني خلال العقود الثلاث الماضية.
وأجرى الجنرال داغفين أندرسون، القائد الجديد لقيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا “افريكوم”، مؤخراً، اتصالات مكثفة مع عدد من المسؤولين في شرق القارة، وهي وفقاً للمراقبين اتصالات تأتي في سياق القلق الأميركي والعالمي العميق حيال التهديدات المحتملة للعناصر المتطرفة.
وقال أندرسون عقب لقاءات أجراها في كينيا وأثيوبيا إن مباحثاته هدفت للتشاور حول مخاوف خطر الإرهاب العابر للحدود، رابطاً تلك المخاوف بالاضطرابات التي تشهدها المنطقة وخصوصاً السودان.
نقطة ضعف استراتيجية
في هذا السياق، يقول الباحث السياسي الأمين بلال “هنالك دلائل متزايدة تشير الى أن الحرب الحالية حولت السودان إلى نقطة ضعف استراتيجية تهدد أمن المنطقة بأكمله، وفتحت الباب أمام تمدد الجماعات الإرهابية”.
وتوفر فوضى الحرب الحالية فرصة لعدد من عناصر “داعش” والجماعات الإرهابية الأخرى، لاستخدام أرض السودان كمركز للنفوذ والسيطرة ومن ثم تنسيق هجمات ارهابية تستهدف المصالح الغربية والعربية على البحر الأحمر وفي العمق الأفريقي.
منذ عودة عناصر تنظيم الإخوان للمشهد خلال الأعوام الأربع الماضية، ظلت الولايات المتحدة تحذر من خطر تحول السودان إلى بؤرة للإرهاب في إفريقيا مُجدداً.
ويؤكد نمط الهجمات السابقة استخدام تنظيم الإخوان في السودان أذرع خارجية لتنفيذ الهجمات العابرة للحدود كما حدث عندما وفر التدريب والتمويل والدعم الاستخباراتي وجوازات السفر للعناصر التي نفذت الهجمات التي استهدفت المصالح الأمريكية في كينيا وتنزايا وشواطئ اليمن.















