القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

ذكرى

محمود درويش.. مصادفات التاريخ وقدر الشاعر

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

هل كانت مصادفة أم هو قدر الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش أن يتوافق يوم رحيله مع اليوم العالمي للشعوب الأصلية والسكان الأصليين؟! درويش الذي رحل بجسده في التاسع من أغسطس /آب 2008، هو من جعل من سنوات عمره السبعة وستين بمثابة وثيقة رسمية، دائمة الحضور، كناطق رسمي باسم العدالة والحق في الحياة.. كشاهدٍ على حق الشعب الفلسطيني وقضيته، ومتحدثٍ رسمي باسم جميع الشعوب المناضلة من أجل انتزاع حقها في الحياة على أرضها والانتماء للوطن.

ثماني عشرة سنة مضت على رحيله، وما زالت قصائده هي الأقرب للعقل والقلب واللسان حين يأتي وقت الحديث عن حياة الفلسطيني في أرضه وفي غيرها، عن معاناته التراجيدية المتواصلة، وعن مأساته الوجودية وأحلامه في الحياة في وطنه ووسط أرضه وأهله وناسه.

اختيار الشاعر واختبار التاريخ

كثيرون كتبوا عن مواقف محمود درويش، وقصائده، ونضاله، عن معاركه الشعرية والنثرية، انتصاراته وانكساراته، غير أن قليلين من التفتوا إلى واحد من أهم اختيارات الشاعر التي حكمت مسيرته الشعرية والإنسانية على حد سواء، فهو من اختار الربط بين ميلاده وسنوات عمره كلها وبين وجوده كفلسطيني، هو من توقف في كثير من قصائده عند شهر مارس/آذار، شهر ميلاده وشهر الأرض، وهو من دمج بين سيرته الذاتية وسيرة الوطن في قصيدته الشهيرة “الأرض”، حيث ترتبط مراحل حياته بما شهدته الأراضي الفلسطينية منذ وقوعها تحت الانتداب الإنجليزي وحتى نكبة 1948.

هو من لم يكتف بالشعر للربط بينه وبين القضية الفلسطينية، فكتب نثرًا ما نصه: “أنا المسمى شاعرًا فلسطينيًا أو شاعر فلسطين، مطالب مني ومن شرطي التاريخي بتثبيت المكان في اللغة، وبحماية واقعي من الأسطورة، وبامتلاكهما معًا، لأكون جزءًا من التاريخ، وشاهدًا على ما فعله التاريخ بي، في آن واحد، لذا يتطلب حقي في الغد تمردًا على الحاضر، ودفاعًا عن شرعية وجودي في الماضي الذي زج به في المناظرة، حيث تصبح القصيدة دليلا على وجود أو عدم”.

وهو من اختار الربط بين مأساة الشعب الفلسطيني وبين نضال السكان الأصليين في جميع أنحاء العالم، “الهنود الحمر” على وجه التخصيص، وذلك في رائعته “خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض”، وهي القصيدة التي ضمنها ديوانه “أحد عشر كوكبًا”، واستوحاها من خطاب زعيم قبيلة “سياتل” التاريخي، ليعبر عن صراع الضحية مع المستعمر، والارتباط الوجودي بالأرض، وهي القصيدة التي قال عنها جهاد سليمان، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إنها “تشكل أعمق تعبير عن الرسالة الإنسانية والجمالية والأدبية، التي تحملها القصائد في أحشائها”. 

وقال “إن الحديث عن أحد أعقد القضايا وأكثرها إيلامًا وتراجيديا على مر العصور، يمنح هذه القصيدة مكانة خاصة، لما تشكله قضية الهندي الأحمر من تركيز للبؤس الإنساني، الذي يتشابه في كثير من تفاصيله وفصوله مع توأمها في المأساة التاريخية، وهي القضية الفلسطينية التي تعيش اليوم منعطفًا تاريخيًا حاسمًا، بفعل التطورات السياسية التي تشهدها”. 

غير أن سليمان الذي يرصد “تشابه الممارسات الوحشية التي مورست ضد الهنود الحمر، السكان الأصليين للولايات المتحدة الأمريكية، والممارسات الإجرامية التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، بحيث يتقاسم هذان الشعبان مأساتهما، ومأساة الكثير من الشعوب”، يعلن رفض فلسطين أن تكون أمريكا، وأن الشعب الفلسطيني لن يستسلم لما آلت إليه مصائر الهنود الحمر.

وأكد درويش قائلًا: “إن ما يميز مسار الشعب الفلسطيني، وتفاصيل معاناته المستمرة، هو العناد الصلب، والخروج المستمر من تحت رماد النكبات والنكسات، متمسكًا أكثر فأكثر بحقه وأرضه، وعدم التسليم لقدر أرادوه محتومًا على رؤوس الملايين من أبنائه، وعدم الرضوخ لقوانين فوارق القوة، التي حكمت مصير الهندي الأحمر”.

5 آلاف ثقافة مختلفة

بدأ الاحتفال باليوم العالمي للشعوب الأصلية والسكان الأصليين في التاسع من أغسطس/ آب منذ اعتماده من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/ كانون الأول 1994، وهو تاريخ انعقاد أول اجتماع للفريق المعني بالسكان الأصليين في جنيف عام 1982. 

بحسب الموقع الرسمي للأمم المتحدة فإنه يهدف إلى حماية حقوق نحو 476 مليون نسمة من السكان الأصليين يعيشون في 90 بلداً، ويمثلون نحو 5 آلاف ثقافة مختلفة، وإبراز مساهماتهم الثقافية ومعارفهم المتنوعة في صون البيئة والحياة. ويذكر الموقع أن “الشعوب الأصلية هم ورثة ثقافات فريدة، تمتلك أساليب متميزة في التفاعل مع الناس والبيئة، حافظت على خصائص اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية تختلف عن خصائص المجتمعات المهيمنة التي تعيش في إطارها. 

وعلى الرغم من تنوعها الثقافي، فإن الشعوب الأصلية في مختلف أنحاء العالم تواجه تحديات مشتركة تتعلق بحماية حقوقها بوصفها شعوباً متميزة، ولطالما سعت الشعوب الأصلية إلى الاعتراف بهوياتها وأنماط حياتها وحقوقها في أراضيها التقليدية وأقاليمها ومواردها الطبيعية”.

الوظيفة الجماليات ومتطلبات اللحظة

درويش الذي لم يكن ينتمي إلى أسرة أدبية، ولا إلى محيط أسري فيه شعراء وكتّاب، فوالداه فلاحان بسيطان، ولاجئان من عموم الشعب الفلسطيني في وطنهما، توقف تعليمه الرسمي عند حدود المرحلة الثانوية، وتفرغ بعدها للشعر وللعمل المبكر في الصحافة والسياسة. 

بحسب الدكتور محمد عبيد الله، الأكاديمي والناقد الأردني فإنه “رغم انغماسه في الحركة الوطنية والسياسية الفلسطينية طوال عمره، داخل الوطن المحتل، وفي مرحلة الخروج والمنفى، فإنه ظلّ محافظًا على أصالة شعره وعلى تجدّده، وتنبّه إلى حصار الهمّ السياسي، وخطر الوظيفة الوطنية التي ألقيت على شعره، فبذل جهدًا غير خفيّ لتحقيق التوازن بين الوظيفة الجمالية ومتطلبات اللحظة السياسية والوطنية، وعبّر شعره تعبيرًا عميقًا عن مشاغل الهويّة الفلسطينية وإشكالاتها، في ظل التهديد الذي تعرّضت له، وغدا أداة من أدوات المقاومة ضدّ المحو وضدّ العدوان على وجود الإنسان وعلى لغته”..

مهارة نادرة لتطويع الشعر

وأضاف عبيد الله قائلًا: “طوّع الشعر بمهارة نادرة، مستعملًا حزمة واسعة من الأدوات والأساليب والمهارات في التعامل مع اللغة والإيقاع والصورة، بروح شعرية معاصرة تدمج الغنائي بالملحمي والسردي، وتصل الشعر بالنثر، وتربط المعاني المجردة بتفاصيل الحياة والواقع، وتربط التراث العربي بالثقافة العالمية، في سبيل التعبير عن دقائق التجربة الذاتية والعامة، أي تجربة الشاعر وتجربة الجماعة الفلسطينية التي ينتمي إليها”..

“ورغم جماهيريته الواسعة فإنه لم يستسلم للجمهور ولمطالبه، بل كان ينقاد إلى ما يتطلبه الوعي الجمالي وتدابير الشعر والشاعرية، وأثمرت مسيرته الإبداعية عن نحو 25 مجموعة شعرية، و10 مؤلفات نثرية، وعدد كبير من الحوارات الأدبية والفكرية والسياسية، مفتوحة على القراءة والتأويل والتفسير والمتعة”.

ربما لم يكن توافق رحيل محمود درويش في التاسع من أغسطس/آب مع اليوم العالمي للشعوب الأصلية والسكان الأصليين مجرد مصادفة، بقدر ما يبدو امتدادًا لسيرة شاعر جعل من الأرض والهوية والحق في الوجود جوهرًا لتجربته الشعرية والإنسانية. فقد تجاوز درويش حدود القضية الفلسطينية، ليصبح صوته الشعري شاهدًا على معاناة الإنسان حين يُنتزع من أرضه، وعلى مقاومة الشعوب لمحاولات المحو والاقتلاع.

وبعد ثمانية عشر عامًا على رحيله، ما زال درويش حاضرًا في الذاكرة واللغة، لا بوصفه شاعرًا فلسطينيًا فحسب، بل شاعرًا للإنسان الذي يتمسك بحقه في الأرض والهوية والحياة. وكأن التاريخ اختار أن يضع رحيله في يوم يحتفي بأصوات الشعوب الأصلية، ليؤكد مرة أخرى أن قصيدته لم تكن توثيقًا لمأساة شعب فحسب، وإنما دفاعًا مفتوحًا عن حق الإنسان في أن يكون له وطن، وأن يبقى شاهدًا على أرضه، مهما طال زمن الغياب.