أنهى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة النظر في وضع طاجيكستان عبر آلية الشكاوى السرية، لكنه ترك وراء القرار سؤالاً لم تجب عنه الوثائق العلنية: ماذا تعهدت حكومة دوشنبه بأن تفعل، وكيف يمكن للمتضررين معرفة ما إذا كانت تلك الالتزامات ستعالج الانتهاكات التي أثارت الملف أصلاً؟
في 3 يوليو/تموز 2026، أعلن رئيس المجلس أن الأعضاء قرروا وقف النظر في الوضع بعد أخذ العلم بـ”تدابير والتزامات” قدمتها الحكومة الطاجيكية. ولم يكشف مضمونها، لكنه طلب من دوشنبه تقديم معلومات محدثة إلى الدول الأعضاء بحلول الدورة الثالثة والستين بشأن تنفيذها، مع بقاء المتابعة خاضعة لسرية الإجراء.
ولا يعني إغلاق الشكوى أن المؤسسة الأممية برّأت الحكومة، كما لا يعني أن المتابعة انتهت. المشكلة أدق: هناك التزامات ومتابعة، لكن لا توجد أمام الضحايا أو الجمهور معلومات كافية لمعرفة ما الذي تعهدت به الدولة، وما المؤشرات التي سيقاس التنفيذ على أساسها.
ملف الباميريين في خلفية القرار
تكتسب هذه السرية وزناً أكبر في ضوء وضع “الباميريين” في إقليم غورنو بدخشان شرقي طاجيكستان، وهم جماعات متميزة لغوياً وثقافياً ودينياً، ينتمي معظم أفرادها إلى الإسلام الشيعي الإسماعيلي، بينما لا تعترف السلطات بهم أقلية إثنية مستقلة.
شهد الإقليم احتجاجات في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 بعد مقتل الشاب غلب الدين زيوبيكوف خلال عملية أمنية. وتشكلت لاحقاً “لجنة 44” بمشاركة ممثلين محليين لمتابعة التحقيق، قبل أن يتحول عدد من أعضائها أنفسهم إلى متهمين ومعتقلين بعد موجة جديدة من الاضطرابات في مايو/أيار 2022.
وخلال تلك الأحداث أطلقت الحكومة عملية وصفتها بأنها لمكافحة الإرهاب. وقالت لاحقاً إن جماعات مسلحة هاجمت قوات الأمن وأقامت صلات مع تنظيمات إرهابية في أفغانستان، مؤكدة أن التحقيقات والمحاكمات جرت وفق القانون وأن حقوق المتهمين ضُمنت.
قمع مستمر وملاحقات قضائية واسعة
في المقابل، وثّقت آليات أممية ومنظمات حقوقية اتهامات باستخدام القوة المميتة والاعتقال التعسفي والتعذيب، وسط تقارير عن مقتل نحو 40 شخصاً. وبحلول 2023، كان 205 من سكان الإقليم قد صدرت بحقهم أحكام مرتبطة باحتجاجات 2021 و2022، بينها 11 حكماً بالسجن المؤبد و85 حكماً تراوحت بين عشر سنوات و29 عاماً، بعد محاكمات مغلقة في كثير من الحالات.
وطالت الأحكام شخصيات من المجتمع المدني، بينها المحامي فروموز إيرغاشوف، الذي ترأس “لجنة 44″، والمحامي منوشهر خوليقنزاروف، إضافة إلى الصحفية والناشطة ألفاتخونيم مامادشويفا. كما خلص فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي في إحدى القضايا إلى مخاوف جدية تتعلق باعتقال ومحاكمة ناشطين ومحامين من الإقليم.
وظل الملف مفتوحاً حقوقياً بعد ذلك. فقد أفادت منظمة العفو الدولية بوفاة خمسة ناشطين باميريين في السجون خلال 2025، وقالت إنه لم تكن هناك تحقيقات فعالة معروفة في ظروف وفاتهم، فيما استمر سجناء مرتبطون بأحداث الإقليم خلف القضبان.
السرية بين الحماية والمساءلة
السرية ليست استثناءً في آلية الشكاوى التابعة لمجلس حقوق الإنسان. فالأمم المتحدة تصفها بأنها آلية موجهة نحو الضحايا لمعالجة الأنماط المستمرة من الانتهاكات الجسيمة، وتوضح أن عملها سري بهدف تعزيز تعاون الدولة المعنية.
لكن حالة طاجيكستان تكشف حدود هذا المنطق. فمنظمة “هيومن رايتس ووتش” انتقدت إنهاء النظر في الشكوى من دون نتيجة علنية، معتبرة أن عدم نشر الالتزامات يصعب تقييم أثر الإجراء، ودعت إلى متابعة أكثر شفافية بمشاركة المجتمع المدني والمراقبين المستقلين.
وهنا تكمن القضية الأساسية: لا يحتاج مسار سري إلى نشر تفاصيل تحمي هوية مقدمي الشكاوى أو المفاوضات الحساسة، لكن ذلك يختلف عن غياب أي معيار علني يسمح بقياس النتيجة.
اختبار حقيقي
الاختبار الحقيقي سيكون في ما إذا كانت الالتزامات ستنعكس على ملفات قابلة للكشف: التحقيق في عمليات القتل والوفيات في السجون، مراجعة القضايا التي أثارت مخاوف بشأن المحاكمات العادلة، وضمان عمل المحامين والصحفيين والمجتمع المدني في غورنو بدخشان.
حتى تظهر نتائج من هذا النوع، لا يمكن اعتبار إغلاق الشكوى تسوية حقوقية مكتملة، ولا دليلاً على غياب أي تقدم. ما يمكن إثباته هو أن المجلس أغلق مرحلة من الإجراء، وأبقى متابعة تنفيذ الالتزامات قائمة، لكن داخل دائرة سرية لا تزال تحجب عن المتضررين المعيار الذي سيحدد ما إذا كانت تلك الالتزامات قد أحدثت فرقاً فعلياً.









