بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

مجازر “الكنابي” والقصف الجوي الممنهج: تقارير حقوقية توثق أدلة جديدة وتفضح انتهاكات الجيش السوداني

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

كشفت تقارير حقوقية عن أنماط متكررة من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، نُسبت إلى قوات الجيش السوداني ومجموعات متحالفة معه، وذلك خلال الحرب المستمرة مع قوات الدعم السريع منذ إبريل 2023. وتشير الوثائق إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا المدنيين، في سياق صراع يتسم بتسييس الهويات الجهوية والعرقية، وتآكل متزايد للحماية المفترضة للمدنيين.

وفقاً لتقرير “سودان ويتنس”، نفّذ الطيران العسكري هجمات جوية وُصفت بأنها واسعة النطاق ومتكررة في مناطق مأهولة بالسكان، ما أدى إلى مقتل وإصابة آلاف المدنيين وتدمير قرى وأسواق ومنشآت مدنية. فيما خلص تقرير “لايتهاوس ريبورتس” إلى أن عمليات عسكرية أعقبت استعادة الجيش السيطرة على أجزاء من ولاية الجزيرة في يناير 2025 رافقتها أعمال قتل جماعي واستهداف على أساس عرقي في قرى تُعرف محلياً بـ”الكنابي”، مع الإشارة إلى مسؤوليات قيادية محتملة قيد التحقيق.

مدنيون بين طرفي صراع

مع استطالة أمد الحرب، تتكشف المزيد من الأدلة والقصص المروعة عن الانتهاكات الجسيمة التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، والتي وصفتها الأمم المتحدة بأنها ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وذلك في ظل رفض قيادة الجيش دخول بعثة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في أكتوبر 2023.

في سياق السيطرة المتبدلة على الأرض، يتهم حقوقيون طرفي النزاع – الجيش وقوات الدعم السريع – بالتعامل مع السكان في مناطق السيطرة الجديدة باعتبارهم “حواضن اجتماعية” للطرف الخصم، وهي مقاربة أدت إلى انتهاكات واسعة النطاق. وعلى خلفية هذه الممارسات، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات استهدفت قادة وضباطاً من الجانبين.

ورصد حقوقيون أكثر من 2500 انتهاك ضد المدنيين على أسس عرقية أو جهوية أو سياسية، سقط آلاف الضحايا جراء عمليات القصف الجوي التي نفذها طيران الجيش بشكل ممنهج (على أساس مناطقي) أو عشوائي، إضافة إلى سقوط العشرات في الاستهداف العرقي لقرى “الكنابي”.

بدوره، يشير المحامي والخبير في القانون الدولي، المعز حضرة، لموقع “غلوبال ووتش عربية”، إلى أن “تلك الجرائم مثبتة بالأدلة والبراهين ولا يمكن أن تسقط بالتقادم مهما حاولت الأطراف المتهمة إطالة أمد الحرب”، موضحاً أن القانون الدولي لا يتسامح مع مثل هذه الانتهاكات الجسيمة التي تقع ضمن تصنيف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

قصف جوي ممنهج

منذ اندلاع الحرب في إبريل 2023، قُتل وأصيب ما لا يقل عن 12 ألف شخص في هجمات جوية نفذها طيران الجيش في عدة مناطق بالبلاد، حيث استهدف معظمها سكاناً على أساس عرقي.

ورصدت منظمة “سودان ويتنس”، البريطانية المتخصصة في تتبع انتهاكات حقوق الإنسان، 384 غارة جوية نُفذت من بدء الحرب وحتى يوليو 2025، أدت إلى مقتل أكثر من 1700 مدني وإصابة 1120 آخرين. وأكدت المنظمة أن هذه الأرقام “متحفظة” لأنها تعتمد على الحد الأدنى من الحالات المُبلَّغ عنها.

من بين تلك الهجمات، استهدفت 135 غارة مناطق سكنية، مخلفة دماراً واسعاً في المنازل والبُنى التحتية المدنية. كما ألحقت 35 هجمة خسائر كبيرة في الأرواح لاستهدافها أسواقاً ومنشآت تجارية في أوقات الذروة، بينما أثرت 19 غارة على فئات مستضعفة عبر استهداف مرافق صحية، ومراكز إيواء للنازحين، ومؤسسات تعليمية.

وأشارت المنظمة إلى أن بياناتها لا تغطي إجمالي الهجمات المنفذة نظراً لصعوبة الوصول للمعلومات وضعف الاتصالات في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة. كما اتهمت الجيش بتنفيذ تلك الهجمات بشكل عشوائي دون مراعاة لتجنب الإضرار بالمدنيين.

من جانبها، أوضحت المحامية رحاب مبارك، عضو مجموعة “محامو الطوارئ”، لموقع “غلوبال ووتش عربية”، أن معظم الهجمات استهدفت مناطق محددة على أساس عرقي بذريعة أن سكانها يشكلون “حواضن” للدعم السريع، لا سيما في “مليط” و”الكومة” و”كبكابية” و”نيالا” بإقليم دارفور. وأكدت بأن الجانب القانوني الأخطر هو أن تلك الهجمات تمت دون اعتبار للوجود الكثيف للمدنيين، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا.

قصة “الكنابي”

في أوائل عام 2025، وبعد أكثر من عام على سيطرة قوات الدعم السريع، استعاد الجيش مدينة “ود مدني” وسط ولاية الجزيرة. إلا أن عودة الجيش صاحبتها عمليات تطهير عرقي شملت المناطق المحيطة بالمدينة المعروفة بـ”الكنابي”، وهي قرى صغيرة مبنية من مواد محلية يقطنها مجتمع زراعي ينحدر معظمه من دارفور وكردفان، إضافة إلى مواطنين من دولة جنوب السودان.

وأحصت المنظمة 146 هجوماً استهدف سكان “الكنابي” حتى مايو 2025، وتمكنت من التحقق من أكثر من 50 مقطع فيديو وتحديد مواقعها الجغرافية. ولفت تقرير “لايتهاوس ريبورتس” بأن العديد من المجازر لم تُوثق، وأن الكثيرين لا يزالون يجهلون مصير ذويهم، موضحاً أن “قوات الجيش وحليفاتها من الحركات المسلحة استغلت العمليات العسكرية لارتكاب عمليات تطهير عرقي واسعة”.

في شهادة مروّعة لفريق “لايتهاوس ريبورتس”، تقول إحدى الناجيات إنها كانت في منزلها حين اقتحم أربعة جنود المكان وقتلوا أبناءها الأربعة وشقيقها، وسط إطلاق نار مستمر وإضرام للنيران في المنازل. كما وثّق الفريق قصصاً مماثلة من سبعة ناجين آخرين أكدوا الاستهداف الوحشي لجيرانهم وأقاربهم بناءً على انتمائهم العرقي. وعزّزت روايات لعناصر من الجيش والمجموعات المتحالفة معه تلك الشهادات، حيث أكد أحد الأهالي مشاهدته جنوداً يلقون بثلاث جثث في قناة مائية.

أنماط واسعة من الانتهاكات

يتهم الصحفي والمحلل السياسي محمد المختار محمد، الجيش باستخدام “أنماط واسعة النطاق ومنهجية” من الانتهاكات. ملخّصاً إياها في حديثه لـ”غلوبال ووتش” بـ “القصف الجوي على أساس جهوي، استخدام الأسلحة الكيماوية، واستهداف البنى التحتية”.

وقسّم المختار هذه الانتهاكات إلى فئتين: الأولى جرائم تتعلق بالهجمات العشوائية ضد الأعيان والأشخاص (القصف الجوي والمدفعي)، حيث استخدم الجيش، بصفته الطرف الوحيد الممتلك للطيران والأسلحة الثقيلة بعيدة المدى، القوة المفرطة، مستهدفاً البنية التحتية. والفئة الثانية متعلقة بالسلامة الجسدية والكرامة، حيث ارتكبت قوات الجيش أنماطاً واسعة من الاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة ضد الأفراد.