لم يكن الظهور الإعلامي الأخير للكولونيل المالي المنشق حسين غلام ضمن إصدارات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حدثاً دعائياً معزولاً، بقدر ما مثّل مؤشراً على تحوّل بنيوي في طريقة إدارة التنظيم لنفوذه الميداني. فالرسالة لم تكن موجهة للجمهور فقط، بل للخصوم أيضاً، ومفادها أن التنظيم أعاد ترتيب هرم القيادة، وفعّل نموذج تفويض متعدد المستويات يسمح له بالتمدد دون انكشاف رأسه القيادي.
تُظهر القراءات الأمنية المتقاطعة في منطقة الساحل أن إياد أغ غالي، الزعيم التاريخي للتنظيم، انتقل خلال العامين الأخيرين إلى إدارة شبكته المسلحة وفق ما يمكن تسميته “استراتيجية القيادة من الظل”. استراتيجيةٌ تقوم على توزيع الأدوار بين ثلاثة فاعلين رئيسيين، لكل منهم وظيفة مختلفة، لكنها متكاملة ضمن منظومة واحدة تهدف إلى فرض السيطرة، واستنزاف الدولة، وتعقيد أي استجابة عسكرية مباشرة.
الذراع العسكرية المحترفة: الكولونيل في الميدان
يُمثل العقيد السابق في الحرس الوطني المالي، حسين غلام، الضلع الأحدث والأكثر إثارة للقلق في هذه الهيكلة. انشقاقه في مارس 2024 وانضمامه للتنظيم بكامل عتاده وخبرته النظامية شكّلا نقلة نوعية في التكتيكات العسكرية للجماعة، التي لم تعد تعتمد فقط على أسلوب “الكرّ والفر” التقليدي؛ فظهوره العلني في إدارة هجمات معقدة على الثكنات العسكرية (مثل هجوم سومبي)، واستخدام التنظيم المتزايد والممنهج لطائرات الدرون في الرصد والهجوم، يشير إلى دمج العقيدة العسكرية النظامية في حرب العصابات. غلام اليوم هو الواجهة التكتيكية التي تتصدى للجيوش النظامية وقوات فاغنر بندّية غير مسبوقة في قطاع الشمال.
العمق الاجتماعي والعقل التنظيمي
إلى جانب الواجهة العملياتية، يستند التنظيم إلى ركيزتين أخريين أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً على المدى المتوسط:
1- أمادو كوفا (العمق الاجتماعي): بصفته زعيم “كتيبة ماسينا”، يمثل كوفا الثقل الديموغرافي الأخطر. فنجاحه في الحشد والتجنيد ضمن مكون الفولاني في وسط مالي حولا التنظيم من جماعة طارقية في الشمال إلى قوة “مقيمة” ذات عمق شعبي هائل في قلب البلاد، ما يجعل اجتثاثها عسكرياً شبه مستحيل دون إحداث شرخ اجتماعي كبير.
2- سيدان أغ هيتا (العقل الاستراتيجي): يوصف بـ “الصندوق الأسود” لإياد أغ غالي، والرجل الثاني في التنظيم فعلياً. يتولى هيتا إدارة الملفات الأكثر حساسية التي تتطلب دهاءً أمنياً وسياسياً، من الأمن الداخلي للتنظيم إلى مفاوضات الرهائن المعقدة، ضامناً التماسك الداخلي والتمويل.
من التنسيق إلى السيطرة
تتجلى خطورة هذا المثلث القيادي في كيفية ترجمة نفوذه إلى واقع على الأرض، ويُعد الحصار الخانق الذي فُرض مؤخراً على تمبكتو وطرق الإمداد نحو الشمال المثال الأبرز على ذلك.
لم يكن الحصار عملاً عسكرياً محضاً، بل نتاج تنسيق متكامل، وفرت خلاله قيادات، مثل كوفا وهيتا، الغطاء الاستراتيجي وشبكات الدعم اللوجستي اللازمة لإدامة الحصار وعزل المنطقة اجتماعياً، فيما تولّت القيادات العسكرية المحترفة في الميدان، والتي يمثل حسين غلام نموذجها المتصاعد، تنفيذ الشق العملياتي عبر نصب الكمائن الدقيقة وقطع الشرايين الحيوية، ما وضع حكومة مالي تحت ضغط هائل.
الاستهداف المباشر للقيادة
تكمن خطورة نموذج إياد أغ غالي الحالي في أنه يقلل من كلفة الاستهداف المباشر للقيادة، ويزيد من قدرة التنظيم على التكيّف والمناورة. غير أن هذا النموذج، مهما بدا متماسكاً، يظل هشاً أمام مقاربة شاملة تجمع بين الأمن، وسيادة القانون، ومعالجة جذور التهميش، والحول دون عسكرة الانقسامات الاجتماعية.
تفكيك هذا النوع من الشبكات لا يتحقق بالضربات العسكرية وحدها، بل بإعادة الاعتبار للدولة بوصفها إطار حماية لا خصماً، وبمنع التنظيمات المتطرفة من احتكار الغضب الاجتماعي وتحويله إلى عنف منظم.















