بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

الشرق الأوسط

ما وراء الستار.. اغتيالات قادة المحور الإيراني بين فرضيات التواطؤ الداخلي وواقع الاختراقات الأمنية المتصاعدة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

شهدت السنوات الأخيرة سلسلة متلاحقة من الضربات الأمنية والعسكرية الدقيقة التي استهدفت الصف الأول من قيادات المحور الإيراني، سواء داخل الأراضي الإيرانية أو في ساحات النفوذ الإقليمي الممتدة من لبنان وسوريا إلى العراق. ولم تكن تلك العمليات مجرّد خسائر بشرية أو حوادث أمنية عابرة، بل تحوّلت إلى مؤشرات استراتيجية مقلقة أصابت صورة القوة الإيرانية في الصميم، وفتحت الباب أمام تساؤلات متزايدة حول قدرة طهران على حماية كوادرها الأمنية والعسكرية في مواجهة خصوم يمتلكون قدرات استخبارية متطورة ومتنامية.

مع كل عملية اغتيال جديدة تستهدف شخصية بارزة أو قائداً ميدانياً مؤثراً، يتجدد النقاش حول طبيعة ما يجري خلف الجدران المغلقة للنظام الإيراني. فهل تعكس هذه الضربات وجود تواطؤ أو تسريبات من داخل دوائر القرار؟ أم أنها نتيجة طبيعية لتآكل المنظومة الأمنية الإيرانية أمام خصوم نجحوا في تطوير أدواتهم الاستخبارية والتقنية إلى مستويات غير مسبوقة؟

فرضية التضحية بالأوراق السياسية

من بين التفسيرات التي ظهرت خلال السنوات الماضية فرضية تقول إن بعض ما جرى قد يكون نتاج حسابات سياسية معقدة فرضتها الضغوط الدولية المتزايدة على إيران. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى مفهوم الواقعية السياسية، الذي يدفع الدول أحياناً إلى تقديم تنازلات مؤلمة للحفاظ على مصالح أكبر أو لتجنب مخاطر أكثر خطورة.

وبحسب هذه القراءة، فإن النظام الإيراني الذي يواجه أزمات اقتصادية متراكمة وعقوبات دولية وضغوطاً سياسية وأمنية مستمرة، قد يجد نفسه مضطراً في بعض المراحل إلى إعادة ترتيب أولوياته أو ضبط قواعد الاشتباك مع خصومه. ومن هنا ظهرت فرضيات تتحدث عن احتمال التخلي غير المباشر عن بعض الشخصيات التي أصبحت تمثل عبئاً على الحسابات السياسية أو الدبلوماسية، أو التي باتت مواقفها أكثر تشدداً من قدرة الدولة على احتواء تداعياتها.

غير أن هذا التفسير يواجه معضلة أساسية تتمثل في أن النظام الإيراني بنى جزءاً كبيراً من شرعيته الداخلية والإقليمية على صورة الدولة القادرة على حماية قياداتها وحلفائها، ما يجعل فكرة التضحية المتعمدة بقادة بارزين خياراً شديد الكلفة سياسياً وأمنياً.

صراع الأجنحة داخل النظام

عند التعمق في بنية النظام الإيراني تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرّد الحديث عن خيانة أو تواطؤ مباشر. الدولة الإيرانية تضم شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية التي لا تعمل دائماً بالدرجة نفسها من الانسجام والتنسيق، كما أنها تخضع لتوازنات دقيقة بين مراكز نفوذ متعددة.

وعلى مدى سنوات طويلة تحدثت تقارير وتحليلات مختلفة عن وجود تنافس مستمر بين المؤسسات الأمنية الرئيسة، ولا سيما بين وزارة الاستخبارات والأمن الوطني وجهاز استخبارات الحرس الثوري. وعلى الرغم من أن الطرفين يعملان تحت مظلة النظام نفسه، فإن التنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات أحدث في بعض الأحيان حالة من التداخل والتباين في الأولويات.

وفي بيئة معقدة كهذه قد تؤدي البيروقراطية الأمنية أو ضعف التنسيق أو حجب المعلومات إلى فتح ثغرات يستفيد منها الخصوم، كما أن الحسابات المؤسسية قد تؤثر أحياناً في سرعة الاستجابة أو دقة تبادل المعلومات.

الاختراق الاستخباري من الداخل

إذا استبعدنا فرضية التواطؤ المباشر، فإن الاحتمال الأكثر تداولاً يتمثل في وجود اختراقات استخبارية واسعة تمكّنت من التغلغل داخل مفاصل حساسة في الدولة الإيرانية. فطبيعة العمليات التي شهدتها إيران والمنطقة خلال السنوات الأخيرة تشير إلى امتلاك الجهات المنفذة معلومات دقيقة حول تحركات شخصيات بارزة ومواعيد اجتماعاتها ومسارات تنقلها وترتيباتها الأمنية.

وقد عززت هذه القناعة سلسلة من العمليات النوعية التي نُسبت إلى أجهزة استخبارات أجنبية خلال السنوات الماضية، بدءاً من اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، مروراً بعملية الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران، وصولاً إلى استهداف شخصيات عسكرية وأمنية بارزة داخل إيران وخارجها. كل ذلك يوحي بامتلاك المنفذين قدرات استخبارية معقّدة تعتمد على مزيج من المصادر البشرية والتقنيات السيبرانية المتقدمة.

ساعدت عوامل داخلية عدة على إنتاج بيئة أكثر قابلية للاختراق، من بينها الضغوط الاقتصادية وتراجع قيمة العملة والعقوبات الطويلة الأمد، إضافة إلى التوترات الاجتماعية والسياسية التي وفّرت بيئات خصبة لمحاولات الاستقطاب أو جمع المعلومات.

وفي المقابل، شهد العالم تطوراً متسارعاً في أدوات المراقبة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتقنيات تحليل البيانات، ما رفع من كفاءة العمليات الاستخبارية الحديثة وجعل من الصعب إخفاء التحركات الحساسة لفترات طويلة.

مع ذلك، فإن هذه المعطيات لا تعني انهيار المنظومة الأمنية الإيرانية بالكامل، إذ لا تزال تمتلك بنية أمنية معقدة وقدرات متقدمة في مكافحة التجسس، لكنها تواجه تحدياً متزايداً في التكيف مع طبيعة الحروب الاستخبارية الحديثة.

قواعد اللعبة الإقليمية الجديدة

خلال الحرب الإقليمية الأخيرة التي سبقت اتفاق الهدنة، شهدت الساحة تصعيداً أمنياً لافتاً تخللته سلسلة عمليات اغتيال واستهدافات نوعية نُسبت إلى إسرائيل، في بعض الحالات ضمن بيئة دعم استخباري أمريكي أو تنسيق غير مباشر. وقد طالت هذه العمليات قيادات ميدانية وشبكات مرتبطة بالمحور الإيراني في أكثر من ساحة إقليمية، ضمن سياق تصعيدي اتسم بارتفاع مستوى الاستهداف الدقيق للأهداف القيادية.

وقد عكست هذه المرحلة انتقال المواجهة إلى نمط أكثر تعقيداً، يجمع بين الأدوات العسكرية التقليدية والعمليات الاستخبارية والقدرات السيبرانية، ما أسهم في إعادة تشكيل قواعد الاشتباك قبيل تثبيت الهدنة. وأصبحت الحدود بين العمليات الميدانية والحرب الاستخبارية أقل وضوحاً، في ظل تصاعد الاعتماد على المعلومات الدقيقة كعنصر حاسم في إدارة الصراع.

كما تشير هذه التحولات إلى أن طبيعة الصراع الإقليمي لم تعد قائمة على الردع العسكري التقليدي، بل على تفوق المعلومات والقدرة على الوصول إلى الهدف قبل لحظة التنفيذ، وهو ما يفرض تحديات جديدة على جميع الأطراف الفاعلة.

نحو مرحلة أكثر تعقيداً

تقف إيران اليوم أمام تحدٍ استراتيجي يتجاوز مجرد التعامل مع عمليات اغتيال متفرقة، ليصل إلى إعادة تقييم شاملة لمنظومتها الأمنية في ظل بيئة إقليمية متغيّرة بسرعة. فالمعادلة الجديدة لم تعد تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على دقة المعلومات وسرعة القرار وكفاءة التنسيق بين الأجهزة.

وفي ظل استمرار الضغوط الداخلية والتحديات الخارجية والتطور المتسارع في أدوات الحرب الاستخبارية، تبدو طهران أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على إعادة بناء منظومتها الأمنية وتعزيز قدرتها على منع التسلل الاستخباري.

قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كانت هناك خيانة أو اختراق، بل مدى قدرة الدولة على الصمود أمام حرب ظل معقّدة تتداخل فيها التكنولوجيا والاستخبارات والسياسة، في صراع باتت فيه المعلومة العامل الحاسم في رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.