بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

تقرير تحليلي

ما بعد هرمز: هل تعيد أزمة المضيق رسم جغرافيا ممرات الطاقة بين الخليج وسوريا والبحر الأحمر؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

كشفت تطورات الأيام الأخيرة أن اضطراب مضيق هرمز لم يعد يُقرأ في أسواق الطاقة بوصفه احتمالاً أمنياً عابراً، بل كعامل يعيد دفع الحكومات والشركات إلى اختبار خرائط بديلة لنقل النفط والغاز. ففي وقت أعلنت فيه هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن ناقلة أُصيبت بـ”مقذوف مجهول” شرق ليمة العُمانية، قالت مصادر إن السعودية تدرس توسيع قدرة خط أنابيبها الممتد إلى البحر الأحمر، بينما تحدث رئيس “توتال إنرجي” من دمشق عن إمكانية أن تصبح سوريا ممراً مهماً لنفط العراق نحو المتوسط.

هذه ليست أخباراً منفصلة، إنما إشارات إلى تحوّل أعمق في طريقة إدارة مخاطر الطاقة في الشرق الأوسط. فلم تعد المسألة محصورة في حماية السفن العابرة أو نشر قوات بحرية إضافية، بل في بناء مسارات تقلل قدرة أي نقطة اختناق واحدة على تعطيل تدفق الطاقة. هرمز سيبقى ممراً مركزياً، لكن قيمته السياسية تتغير عندما تبدأ الدول المنتجة والمستوردة وشركات الطاقة الكبرى في التعامل مع بدائله كاستثمار استراتيجي لا كخطة طوارئ مؤجلة.

هرمز كعامل ضغط

يمثل مضيق هرمز نقطة حساسة في حسابات الطاقة العالمية، لا بسبب حجم العبور وحده، بل لأن أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على التأمين والشحن والأسعار وتوقعات الإمداد. لذلك، لا يحتاج الخطر إلى إغلاق كامل حتى ينتج أثراً اقتصادياً. إصابة ناقلة أو إجبار سفينة على تغيير مسارها أو تصاعد التحذيرات البحرية يكفي لإعادة تسعير المخاطر في السوق.

تحدثت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن إصابة ناقلة الغاز المسال القطرية “الركيات” بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان وإرسالها نداءات استغاثة عندما كانت تعبر مضيق هرمز، وعن تعرض ناقلة خام سعودية أيضاً لأضرار قرب المضيق. فيما قال الأمريكيون إن المؤشرات الأولية تشير إلى إطلاق إيران النار على سفينتين تجاريتين، مع عدم صدور إعلان مسؤول عن المسؤولية.

ومع أن تحديد المسؤولية يبقى مسألة سياسية وقانونية حساسة، فإن أثر الحادث لا ينتظر اكتمال التحقيقات. فشركات الشحن والتأمين ومشترو الطاقة يتعاملون مع تكرار الخطر بوصفه عاملاً كافياً لرفع كلفة الاعتماد على المضيق.

السعودية تناور خارج المضيق

تكتسب دراسة السعودية توسيع خط أنابيب النفط إلى البحر الأحمر دلالة تتجاوز البنية التحتية. فالمملكة تبحث، وفق مصادر “رويترز”، إضافة ما يصل إلى مليوني برميل يومياً من الطاقة الاستيعابية إلى خط “شرق-غرب”، بما يسمح بنقل كميات أكبر من الخام بعيداً عن هرمز. وتبلغ القدرة الحالية للخط نحو سبعة ملايين برميل يومياً، منها كميات مخصصة للتكرير على الساحل الغربي وأخرى للتصدير عبر البحر الأحمر.

هذا التحرك لا يعني أن الرياض تستعد لاستبدال هرمز بالكامل، فذلك غير واقعي في المدى القصير. لكنه يعني أن المملكة تتحرك لتقليل وزن المضيق في معادلة الردع الإقليمي. كل برميل يمكن نقله إلى البحر الأحمر هو برميل أقل عرضة لضغط المضيق، وكل زيادة في القدرة البديلة تمنح صانع القرار السعودي هامشاً أوسع في لحظات التصعيد.

لكن البحر الأحمر نفسه ليس فضاءً خالياً من المخاطر، فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن هذا الممر يمكن أن يتحول بدوره إلى ساحة ضغط، سواء عبر الهجمات البحرية أو اضطرابات باب المندب أو ارتفاع كلفة التأمين. لذلك، لا تنقل السعودية المخاطر من منطقة إلى أخرى بقدر ما توزعها على أكثر من مسار. هذه ليست معادلة أمان كامل، بل معادلة مرونة أعلى.

سوريا تعرض الجغرافيا كأصل

في الضفة الأخرى من الخريطة، تحاول دمشق تقديم نفسها بوصفها جزءاً من الجواب على أزمة الممرات. زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، بوصفه أول زعيم غربي كبير يزور البلاد منذ إطاحة بشار الأسد العام 2024، جاءت محملة برسائل سياسية واقتصادية. لكنها اكتسبت بعداً إضافياً مع حديث “توتال إنرجي” عن أولوية إعادة بناء مسارات عبور النفط بين العراق وسوريا، وفي مقدمتها خط كركوك–بانياس.

قال الرئيس التنفيذي لـ”توتال إنرجي”، باتريك بويانيه، إن الوضع الأمني في سوريا لا يسمح بعد بالعودة إلى أنشطة النفط البرية، لكنه أشار إلى أن الشركة وقّعت في مايو مذكرة تفاهم مع شركة النفط السورية، إلى جانب “قطر للطاقة” و”كونوكو فيليبس”، لمراجعة كتلة بحرية قبالة اللاذقية. هذا التصريح يضع سوريا في منطقة وسطى: ليست ممراً جاهزاً 100% للطاقة، لكنها لم تعد غائبة تماماً عن حسابات الشركات الكبرى.

الفارق مهم، دمشق لا تملك اليوم قدرة فورية على التحول إلى عقدة طاقة إقليمية. فالبنية التحتية متهالكة، والتمويل معقد، والبيئة الأمنية ما زالت هشة. الانفجارات التي وقعت قرب فندق “فور سيزونز” خلال زيارة ماكرون، وأدت إلى إصابة ما لا يقل عن 18 شخصاً وفق وزارة الداخلية السورية، أظهرت أن معركة الاستقرار لم تُحسم بعد.

لكن السياسة لا تنتظر اكتمال الشروط دائماً، لأن مجرد طرح سوريا كمسار محتمل يمنح حكومتها ورقة في التفاوض مع أوروبا والشركات والدول المجاورة. فبعد سنوات من العزلة، تحاول دمشق تحويل موقعها من عبء أمني إلى أصل جيوسياسي، وهذه تحديداً هي النقطة التي تجعل القصة أكبر من خبر اقتصادي.

العراق يبحث عن منفذ

يمثل هذا الملف مسألة بالغة الأهمية للعراق؛ بالنظر إلى حساسيته المفرطة تجاه أي اضطرابات في مضيق هرمز نتيجة اعتماده شبه الكامل على منافذ الخليج. وتحت وطأة هذه الهشاشة، عادت بغداد لإحياء فكرة تصدير النفط الخام والمنتجات ذات الصلة عبر سوريا، بما في ذلك مراجعة مسارات الأنابيب القديمة والخطوط البرية المؤدية للموانئ السورية على البحر المتوسط. وتجلى هذا التوجه رسمياً حينما كشفت التقارير في يونيو عن استعدادات عراقية لتصدير الخام والنافثا، أحد مشتقات النفط السائلة، عبر الأراضي السورية، في خطوة توسع الترتيبات اللوجستية القائمة بالفعل والتي بدأت بشحن زيت الوقود عبر ميناء بانياس.

إذا تطور هذا المسار، فلن يكون قراراً فنياً فقط. لأن عبور النفط العراقي عبر سوريا يعني شبكة تفاهمات تشمل بغداد ودمشق وشركات الطاقة والدول المؤثرة في ملف العقوبات والتمويل والتأمين، كما أنه يفتح سؤالاً حساساً حول من يضمن أمن الخطوط، ومن يدير عوائد العبور، ومن يملك حق تعطيلها في لحظة سياسية لاحقة.

لهذا، يجب قراءة المسار العراقي–السوري كاحتمال استراتيجي لا كمشروع منجز. قيمته الآن تكمن في أنه يغير لغة النقاش. بدلاً من سؤال واحد عن حماية هرمز، يصبح السؤال: كم طريقاً يستطيع العراق والخليج تشغيله عندما يصبح المضيق أقل يقيناً؟

فرنسا تدخل الممرات

الحضور الفرنسي في دمشق مرتبط بشكل وثيق بهذا التحول، فباريس لا تختبر فقط علاقة سياسية جديدة مع الحكم السوري بعد سقوط الأسد، بل تبحث أيضاً عن موضع في هندسة اقتصادية قد تتشكل حول الطاقة والموانئ والبنية التحتية، ومشاركة “توتال إنرجي” تمنح الزيارة بعداً يتجاوز الرمزية الدبلوماسية.

في المقابل، تواجه فرنسا معادلة دقيقة. الانخراط المبكر في سوريا قد يمنحها نفوذاً في مرحلة إعادة التموضع، لكنه يحمل مخاطر سياسية وأمنية إذا لم تُترجم الوعود إلى استقرار فعلي. بالنسبة للشركات، لا تكفي الجغرافيا وحدها. المطلوب بيئة قانونية قابلة للتوقع، وضمانات أمنية، وآلية واضحة للتعامل مع العقوبات، وشركاء محليون قادرون على التنفيذ.

من هنا، تبدو سوريا في موقع عرض لا إنجاز. تعرض موقعاً، لا مشروعاً مكتملاً. تعرض احتمالية عبور، لا ضمانة تدفق. وهذا الفارق يجب أن يبقى حاضراً في أي قراءة جادة للمشهد.

خريطة طاقة أكثر تفككاً

من المؤكد أن هرمز لن يفقد مركزيته سريعاً، فالبنية الحالية للطاقة في الخليج بُنيت على أساس وجوده، وتغيير هذا الواقع يحتاج سنوات من الاستثمار والتنسيق والسياسة. لكن الجليّ أيضاً أن هذه المركزية لم تعد تعني احتكاراً كاملاً للخيارات. السعودية تنظر غرباً إلى البحر الأحمر، العراق يعيد اختبار بوابة المتوسط، وسوريا تحاول بيع الجغرافيا كمدخل للعودة السياسية، بينما تراقب شركات الطاقة كيف تتحول الممرات من خلفية لوجستية إلى أصل استراتيجي.

ما يجب مراقبته الآن ليس التصريحات فقط، بل ثلاثة مؤشرات عملية: هل تتحول خطة توسيع الخط السعودي إلى قرار استثماري معلن؟ هل ينتقل مسار العراق–سوريا من الترتيبات المؤقتة إلى عقود وبنية تحتية؟ وهل تحصل الشركات الأوروبية، وفي مقدمتها “توتال”، على ضمانات تكفي لتحويل الكلام عن العبور إلى مشاريع قابلة للتمويل؟

حتى ذلك الوقت، ستبقى المنطقة في مرحلة انتقالية بين خريطة قديمة تعتمد على مضيق شديد الحساسية، وأخرى جديدة لم تكتمل بعد. وفي هذه المسافة تحديداً، تتشكل قيمة الجغرافيا، وقدرة الحدود على المناورة عندما تصبح الممرات نفسها جزءاً من الصراع.